أخطر محاكمات القرن في البحرين.. الملك ومشروع إفراغ المجتمع الشيعي من مرجعياته المقبلة

عباس المرشد - 2026-11-03 - 3:19 م

مرآة البحرين: أيام قليلة تفصلنا عن أخطر محاكمات القرن في البحرين، حيث يواجه أكثر من خمسين عالمًا ورجل دين الملاحقة القضائية، وسط تساؤلات جدية عن الأدلة التي تربطهم بالتهم الموجهة إليهم ومدى كفايتها لإدانتهم. وللمرة الأولى بهذا الاتساع، تقدم عائلة الحكم على تشكيل قضية سياسية يكون المتهمون فيها من رجال الدين وأساتذة الحوزات والفقهاء والمربين. فقد اعتقل النظام خلال العقود الماضية عددًا من العلماء وحاكم بعضهم، لكنه وضع تلك الإجراءات غالبًا ضمن مواجهاته مع المعارضة السياسية، بينما أصبحت المؤسسة الدينية هذه المرة هدفًا قائمًا بذاته.

وهذا يجعل من توجيه الاتهام السياسي إلى الملك حمد بن عيسى آل خليفة بشأن هذه المحاكمات أمرًا مبررًا ومقبولًا، خصوصًا أن حملة الاعتقالات جاءت في أعقاب خطابه في مايو الماضي، الذي قال فيه ما لم يقله مالك في الخمر، مستخدمًا لغة شديدة تجاه من اتهمهم بالارتباط بالتهديدات الخارجية. وقد تولت الأجهزة الأمنية يمعية أبطال حفلات الزار المعتادة تنفيذ حملة واسعة شملت شخصيات دينية معروفة، فيما انتقلت القضية إلى المحاكم في سياق سياسي وأمني رسمت القيادة العليا اتجاهاته العامة. وتستدعي هذه المسؤولية النظر في طبيعة العلماء المستهدفين قبل الانشغال بالأحكام المنتظرة.

وتظهر في الإجراءات الحكومية ثلاثة مستويات متداخلة من التأثير في المجتمع الشيعي. أولها التضييق المتواصل على مؤسساته وشعائره المعتادة، من الأوقاف والمساجد إلى المآتم والمواكب الدينية، بما يحد من استقلالها ويزيد خضوعها للقرارات الإدارية والأمنية. وقد جعل هذا التوسع الحياة الدينية نفسها مجالًا للتدخل الحكومي، بعدما ظلت مؤسساتها تحتفظ بمساحات من الإدارة الذاتية والعلاقات الاجتماعية المستقلة. ويثير تراكم هذه الإجراءات احتمال وجود توجه سياسي لإضعاف البنية المؤسسية التي يستند إليها الوجود الشيعي في البحرين.

أما المستوى الثاني، وهو الأكثر اتصالًا بالمحاكمات الحالية، فيتعلق بمستقبل القيادة الدينية بعد الشيخ عيسى أحمد قاسم. فقد شملت الاعتقالات عددًا من أبرز العلماء الذين يتولون التدريس والإرشاد وإدارة المؤسسات الدينية، ومن بينهم الشيخ محمد صنقور والشيخ محمود العالي والشيخ علي الصددي. وتؤثر ملاحقة هذه الشخصيات مجتمعة في قدرة المؤسسة الدينية على تجديد قياداتها، خصوصًا إذا انتهت المحاكمات إلى أحكام طويلة بالسجن. ويصبح الاحتمال السياسي الذي تطرحه القضية هو إفراغ الساحة من الشخصيات القادرة على تولي مواقع دينية واجتماعية بارزة في المرحلة المقبلة.

ويتصل المستوى الثالث بالسياق الإقليمي الذي تجري فيه المحاكمات. فقد ربطت السلطات الاعتقالات باتهامات تتعلق بالحرس الثوري الإيراني وولاية الفقيه، في مناخ سياسي وأمني شديد التوتر مع إيران. ويمكن قراءة هذا التداخل ضمن اتجاه إقليمي أوسع يسعى إلى تقليص نفوذ المؤسسات والتيارات الشيعية التي تُعد مستقلة عن الحكومات أو مرتبطة بمراكز دينية خارج حدودها. وتثير هذه القراءة احتمال أن يؤدي استمرار السياسات الحالية إلى تحويل المؤسسات الشيعية من قوى اجتماعية تمتلك استقلالها وتنظيمها إلى مؤسسات أضعف وأكثر اعتمادًا على الموافقات الحكومية.

وتتضح مسؤولية الملك حمد بن عيسى آل خليفة عند جمع هذه المستويات الثلاثة. فالأجهزة الأمنية التي نفذت الاعتقالات، والمؤسسات التي فرضت القيود على الشعائر والأوقاف، تعمل داخل بنية حكم تتحدد سياساتها العليا في موقع الملك. وقد أصبح اتجاه هذه الإجراءات وأثرها على المرجعية الشيعية قضية سياسية تتصل مباشرة بخيارات الحكم، ولا يمكن حصرها في قرارات منفصلة لوزارة الداخلية أو الجهات الإدارية. كما أن استقلال القضاء وضمانات المحاكمة يمثلان اختبارًا إضافيًا لمدى قدرة المؤسسات على التعامل مع القضية خارج حسابات المواجهة السياسية.

ونتيجة لما سبق جاء بيان علماء البحرين والدعوات إلى الاحتجاج السلمي قبل الثامن من نوفمبر في سياق الاعتراض على هذا المسار، بعدما أصبحت الاعتقالات والمحاكمات قضية تتعلق بمستقبل المؤسسة الدينية. وقد اختار الداعون إلى التحرك إعلان موقفهم قبل صدور الأحكام، في محاولة للتأثير في مسار القضية ومنع استمرار تعطيل أدوار العلماء. وتكشف هذه المبادرة عن إدراك أن آثار المحاكمات لن تقتصر على المعتقلين وعائلاتهم، وإنما ستمتد إلى الحوزات والمساجد والمؤسسات التي يرتبطون بها.

وستكشف محاكمات الثامن من نوفمبر جانبًا من اتجاه السياسة الحكومية تجاه المؤسسة الدينية الشيعية. فإذا انتهت إلى أحكام طويلة بحق العلماء الذين يتولون مواقع متقدمة في التعليم والإرشاد، فإنها ستعمق المخاوف من إضعاف قدرة المجتمع على إنتاج مرجعياته المقبلة. وستظل مسؤولية الملك مرتبطة بنتائج سياسة اتسعت من تقييد المؤسسات والشعائر إلى ملاحقة العلماء الذين تقوم عليهم استمراريتها، في وقت تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع توجهات إقليمية تعيد رسم حدود العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية الشيعية.