من تقرير المصير إلى التراجع عن الوعود: كيف تعثّر الوعد الدستوري الذي صاحب استقلال البحرين؟
عباس المرشد - 2026-10-27 - 3:34 م
مرآة البحرين: لم يبدأ تاريخ دستور البحرين مع صدوره في ديسمبر 1973، ولا مع انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي في ديسمبر 1972. فالوثائق البريطانية تعيد بداية القصة إلى مرحلة أسبق، حين كانت التسوية التي ستقود إلى استقلال البحرين تقترب من نهايتها، وكان الحديث عن التمثيل الشعبي والإصلاح الدستوري يسير بالتوازي معها.
لم يكن الوعد بالدستور منفصلًا زمنيًا وسياسيًا عن التسوية التي مهدت لاستقلال البحرين. صحيح أن مهمة الأمم المتحدة سنة 1970 اقتصرت على تحديد رغبة البحرانيين في الوضع السيادي لبلادهم، ولم تشترط دستورًا أو نظامًا نيابيًا، لكن الوثائق البريطانية تكشف أن إتمام تسوية الاستقلال كان يجري في ظل التزام سياسي موازٍ بالانتقال إلى التمثيل الشعبي. ففي 13 مايو 1970، بعد يومين فقط من إقرار مجلس الأمن نتيجة مهمة الأمم المتحدة، كتب الوكيل السياسي البريطاني A. J. D. Stirling عن نجاح التسوية، ثم سجل أن حكومة البحرين تحمل «نية حالية» للمضي بصورة مطردة نحو «الإقامة المبكرة للتمثيل الشعبي». وبنهاية العام نفسه أصبحت المراسلات البريطانية تتحدث عن «الإصلاحات الدستورية الموعودة» التي ينبغي دفع الحكومة إلى تنفيذها. كان استقلال الدولة، بهذا المعنى، يكتمل خارجيًا بالتخلص من المطالبة الإيرانية والحماية البريطانية، فيما كان وعد التمثيل الشعبي يرسم، على الأقل في التصور السياسي المصاحب لذلك الانتقال، صورة الدولة التي ستقوم بعد الاستقلال.
تكتسب وثيقة 13 مايو أهميتها من السياق الذي وردت فيه. كان ستيرلنغ يقيّم نتائج تسوية المطالبة الإيرانية، ورأى أن الحكومة والشعب أصبحا «أقرب من أي وقت مضى»، ثم ربط استمرار هذا المناخ بتمسك الحكومة بنيتها في «المضي بصورة مطردة نحو الإقامة المبكرة للتمثيل الشعبي»، معتبرًا أن ذلك يعزز احتمالات استمرار الاستقرار. كما رأى البريطانيون أن تجربة التعامل مع السكان خلال مهمة الأمم المتحدة أظهرت للحكومة فائدة العمل «بتشاور أوثق مع شعبها». وهكذا ظهر التمثيل الشعبي في الوثيقة نفسها التي كانت تقوّم نجاح تسوية الوضع الدولي للبحرين.
وبنهاية 1970 أصبحت اللغة البريطانية أكثر تحديدًا. فالمراجعة السنوية التي أعدها ستيرلنغ تحدثت، وفق دراسة اعتمدت ملف الخارجية البريطانية FCO 8/1638، عن ضرورة «حث الحكومة على تنفيذ إصلاحاتها الدستورية الموعودة» وتحسين نظام الإدارة، وربطت ذلك بالتحوط من الاضطراب السياسي. انتقل الوصف بذلك من «نية حالية» لإقامة التمثيل الشعبي في مايو إلى «إصلاحات دستورية موعودة» في نهاية السنة. ويبقى هذا النص منقولًا عن الدراسة الأكاديمية إلى أن تتم مقابلة الصفحة الأصلية من الملف البريطاني.
الاستقلال سبق تنفيذ الوعد
دخلت البحرين استقلالها في أغسطس 1971، بينما لم يكن التمثيل الشعبي الذي تحدث عنه ستيرلنغ قبل أكثر من عام قد تحول إلى مؤسسة دستورية. وبعد أقل من ثلاثة أشهر، كانت التقارير البريطانية ترصد «همهمات مستمرة بشأن الدستور»، وتصف التقدم نحوه بأنه يسير «ببطء شديد للغاية».
كان التقرير البريطاني المؤرخ في 1 نوفمبر 1971 أكثر صراحة في تفسير هذا البطء. فقد وضع جواد العريض والشيخ خليفة بن سلمان ضمن من وصفهم التقرير بالسلطويين الذين كانوا «يضغطون بقوة على المكابح» في مسار الدستور. وفي المقابل، سجل أن الشيخ عيسى بن سلمان، وبعد قدر من الحث البريطاني، طلب من الحكومة أن تمنح الجمهور سببًا للاعتقاد بأن «التقدم الدستوري لم يُتخلَّ عنه تمامًا».
لم يكن التأخير، وفق هذه المراسلات، مسألة فنية متصلة بكتابة الدستور وحدها؛ كان هناك تباين داخل الحكم حول سرعة الانتقال الدستوري وحدوده. فالاستقلال تحقق، والوعد بقي معلقًا.
أعاد الشيخ عيسى بن سلمان في 16 ديسمبر 1971 تثبيت المسار علنًا، معلنًا الاتجاه إلى النظام الدستوري، ثم دخلت البلاد بعد أشهر اضطرابات مارس 1972. وأصبح استمرار تأجيل التمثيل السياسي أكثر صعوبة. وتظهر قراءة بريطانية لاحقة أن الخطوات نحو التمثيل الشعبي عُدت وسيلة لخفض التوتر؛ فقد اعتبر R. M. Tesh سنة 1973 أن تراجع العنف والإضرابات بعد أحداث مارس 1972 يشير إلى أن خطوات التمثيل الشعبي كانت تحقق أثرها السياسي.
مجلس تأسيسي لم يكن منتخبًا بالكامل
صدر في يونيو 1972 المرسوم الخاص بإنشاء المجلس التأسيسي، ثم جرت الانتخابات في 1 ديسمبر. لكن وصفه بأنه «مجلس تأسيسي منتخب» يحجب جزءًا أساسيًا من تركيبته.
تألف المجلس من 42 عضوًا: 22 منتخبًا، وثمانية عينهم الأمير، و12 وزيرًا أعضاء بحكم مناصبهم. أي إن المنتخبين كانوا يملكون أغلبية بفارق عضوين فقط: 22 منتخبًا مقابل عشرين عضوًا لم يصلوا إلى المجلس بالانتخاب. وكان حق الاقتراع نفسه مقصورًا على الرجال. ولذلك جاء تنفيذ وعد «التمثيل الشعبي» في صيغة مقيدة: تمثيل انتخابي داخل مؤسسة احتفظت الحكومة والأمير فيها بكتلة كبيرة غير منتخبة.
تكشف هذه التركيبة حدود التسوية منذ بدايتها. فقد دخل المجتمع السياسي إلى عملية صناعة الدستور بالانتخاب، لكن عملية التأسيس لم توضع في يد المنتخبين وحدهم.
من مشروع الحكومة إلى دستور 1973
لم يبدأ المجلس التأسيسي كذلك أمام صفحة بيضاء. كانت الحكومة قد شرعت في إعداد مشروع الدستور واستعانت في ذلك بالدكتور عثمان خليل عثمان، الخبير الدستوري الذي ارتبط بالتجربة الدستورية الكويتية. وتشير شهادة حسين البحارنة، الذي شارك في لجنة إعداد المشروع، إلى أن المسودة أُعدت أولًا داخل هذا الإطار، ثم انتقلت إلى المجلس التأسيسي لمناقشتها.
استغرق إعداد المشروع الأولي قرابة أربعة أشهر، ثم ناقشه المجلس التأسيسي قرابة ستة أشهر، مادة مادة. وأنهى مراجعته وتعديلاته في مايو 1973، قبل إقرار المشروع المعدل ثم التصديق على الدستور في ديسمبر من السنة نفسها.
لم يكن دستور 1973، بهذا المعنى، نصًا كتبته جمعية منتخبة ابتداءً، كما لم يكن مجرد مشروع حكومي مر من دون تفاوض. أعدت الحكومة المسودة، ثم ناقشها مجلس مختلط يضم المنتخبين والمعينين والوزراء وعدّلها قبل إقرارها.
وأنتجت هذه العملية تسوية احتفظت فيها السلطة بصلاحيات واسعة وبوجود الحكومة داخل المؤسسة التشريعية، في مقابل إنشاء مجلس وطني يضم ثلاثين عضوًا منتخبًا ويملك صلاحيات تشريعية ورقابية. وظل الوزراء أعضاء في المجلس بحكم مناصبهم، وهو ما نقل جانبًا من التركيبة المختلطة للمجلس التأسيسي إلى النظام النيابي الجديد.
الوعد الذي تأخر ثم تعطل
يصبح مسار السنوات 1970-1973 أكثر وضوحًا عند جمع هذه الوثائق. ففي مايو 1970 سجل البريطانيون «نية حالية» للانتقال المبكر إلى التمثيل الشعبي. وبنهاية السنة تحدثوا عن «إصلاحات دستورية موعودة». دخلت البحرين استقلالها في أغسطس 1971 من دون تنفيذها، ثم كشفت المراسلات البريطانية عن مطلب بالدستور وعن قوى داخل الحكم كانت «تضغط بقوة على المكابح». وفي 1972 انتقل الوعد أخيرًا إلى التنفيذ: مجلس تأسيسي ذو أغلبية منتخبة ضئيلة، ومشروع دستور أعدته الحكومة ثم دخل في عملية مناقشة وتعديل، وصولًا إلى دستور 1973 والمجلس الوطني.
لم تعش التسوية طويلًا. فقد دخل المجلس الوطني في صدام مع الحكومة، وكان قانون أمن الدولة من أبرز ساحات الخلاف، قبل أن يُحل المجلس في 1975 وتتوقف الحياة النيابية. وهكذا لم يكن حل المجلس مجرد نهاية لتجربة برلمانية لم تعمر سوى فترة قصيرة؛ فقد أوقف مسارًا يمكن تتبعه إلى ما قبل الاستقلال نفسه.
لم يكن الوعد بالدستور هامشًا منفصلًا عن ولادة دولة الاستقلال. فالتسوية الدولية حسمت السؤال الخارجي: البحرين دولة مستقلة ذات سيادة. وفي اللحظة السياسية نفسها كان البريطانيون يسجلون وعدًا بالانتقال إلى التمثيل الشعبي، ثم يتحدثون بعد أشهر عن «إصلاحات دستورية موعودة».
لم تجعل الأمم المتحدة الدستور أو الديمقراطية شرطًا قانونيًا للاعتراف باستقلال البحرين، ولا تسمح الوثائق بالقول إن الاستقلال كان مشروطًا تعاقديًا بإقامة مجلس نيابي. لكنها تثبت أمرًا أكثر تحديدًا: أن تسوية الاستقلال جرت في ظل وعد سياسي موثق بالتمثيل الشعبي والإصلاح الدستوري، وأن البريطانيين تعاملوا مع تنفيذه بوصفه جزءًا من استقرار الدولة التي ستخلف الحماية.
اكتمل استقلال البحرين خارجيًا بإغلاق المطالبة الإيرانية وانتهاء الحماية البريطانية، بينما احتاج الوعد الداخلي ثلاث سنوات حتى يتحول إلى دستور ومجلس منتخب. وبعد أقل من عامين على قيام المجلس الوطني، عُطل المسار الذي بدأ قبل الاستقلال. وبقي التناقض الذي تكشفه الوثائق واضحًا: إرادة البحرانيين حسمت الوضع السيادي للدولة، أما موقع هذه الإرادة في حكم الدولة نفسها فظل موضع النزاع بعد الاستقلال.