حين وظّف آل خليفة شيعة البحرين لطلب حماية إيران: وثائق من الأرشيف
عباس المرشد - 2026-10-20 - 10:52 م
مرآة البحرين: لا يزال الأرشيف يضخ الكثير من الوثائق التي تكشف أن التودد إلى إيران وطلب حمايتها لم يكونا سلوكًا عارضًا ارتبط بحاكم واحد من آل خليفة، بل نمطًا تكرر في تاريخ الحكم نفسه. فمنذ السنوات الأولى لاستيلاء العتوب على البحرين، تظهر فارس كلما تعرض الحكم لخطر خارجي: مرة بعرض التبعية ودفع المال، ومرة بإرسال ممثل إلى طهران وطلب حماية الشاه، ثم بإعلان حاكم البحرين نفسه «رعية للحكومة الفارسية».
لكن أكثر هذه الوثائق إثارة للمفارقة مع الحاضر تلك التي تكشف أن حكام البحرين لم يكتفوا بالتوجه إلى فارس، بل وظفوا شيعة البحرين أنفسهم لبناء هذه العلاقة وطلب الحماية. فالرابطة المذهبية التي أصبحت اليوم جزءًا من خطاب السلطة في الاشتباه بولاء الشيعة، استُخدمت في مطلع القرن التاسع عشر من قبل الحكم نفسه لتبرير الاتصال بطهران وتقديم شاه فارس بوصفه «حاميهم ورأسهم».
ممثل شيخ البحرين في طهران.. والشيعة حجة لطلب الحماية
في أبريل/نيسان 1817، كان ممثل لشيخ البحرين موجودًا في طهران يحمل رسالة منه إلى الشاه. لم تكن المسألة، إذن، خبرًا منقولًا عن رغبة الحاكم أو مراسلة مجهولة الطريق، بل اتصالًا سياسيًا حمله ممثله الموجود في العاصمة الفارسية.
أما مضمون الرسالة فيكشف ما هو أبعد من مجرد طلب الحماية. فقد نقل الوزير البريطاني في فارس أنها ذكرت أنه لما كان سكان البحرين «من المذهب نفسه الذي عليه أهل فارس، فإنهم كانوا دائمًا ينظرون إلى الملك الفارسي باعتباره حاميهم ورأسهم»، ولذلك كانوا يأملون في مساعدة الشاه لحمايتهم من الوهابيين.
لم يرد ذكر شيعة البحرين هنا بوصفه وصفًا ديموغرافيًا عابرًا. فالرسالة بنت طلبها السياسي على رابطة مذهبية واضحة: سكان البحرين يشتركون مع أهل فارس في المذهب؛ ومن هذه الوحدة انتقلت إلى القول إنهم ينظرون إلى ملك فارس بوصفه «حاميهم ورأسهم»؛ ثم أسست على ذلك طلب مساعدته.
وبذلك استخدم حاكم البحرين شيعية السكان سندًا سياسيًا لحكمه. الجماعة التي تشكل الكتلة السكانية التاريخية في الجزيرة تحولت، في خطاب الحاكم إلى طهران، إلى سبب يمكن الاستناد إليه لاستدعاء الحماية الفارسية. ولم يكن علماء الشيعة هم الذين أرسلوا ممثلًا إلى طهران بحسب هذه الوثيقة، بل كان ممثل شيخ البحرين هو الذي حمل الرسالة وتحدث فيها باسم سكان الجزيرة وعلاقتهم المذهبية بفارس.
وتزداد دلالة ذلك عند قراءته في ضوء الخطاب المعاصر الذي يضع العلاقة المذهبية بإيران في دائرة الاشتباه السياسي والأمني. ففي 1817 لم تكن وحدة المذهب مع فارس مشكلة عندما احتاج الحكم إليها؛ بل كانت الحجة التي استخدمها لطلب حماية الشاه.
من «حاميهم ورأسهم» إلى «رعية للحكومة الفارسية»
لم تتوقف العلاقة عند رسالة 1817. فبعد اثنين وعشرين عامًا، ومع وصول التوسع المصري إلى الأحساء، عاد حاكم البحرين إلى فارس، ولكن بصيغة أكثر صراحة.
وضعت المذكرة البريطانية لأحداث 1839 عنوانًا مباشرًا: «الغزو المصري للأحساء: الشيخ يعلن أنه رعية فارسية، 1839». وتسجل أن الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة، تحت ضغط التهديد المصري، «أعلن أنه رعية للحكومة الفارسية».
استجابت شيراز بإرسال الحاج قاسم إلى البحرين حاملًا رسالة وخلعة إلى الشيخ، وبرفقته عشرة جنود فارسيين، ليقيم في الجزيرة وكيلًا فارسيًا، وليكون وسيطًا في تلقي جزية سنوية توقعت السلطات الفارسية أن يدفعها حاكم البحرين مقابل التأييد والحماية.
وتضع الوثيقة نفسها حدًا لما يمكن إثباته: مهمة الحاج قاسم فشلت على ما يبدو، ولذلك لا يمكن القول إن الجزية دُفعت بالفعل سنة 1839. الثابت هو إعلان الشيخ نفسه «رعية للحكومة الفارسية»، وإرسال شيراز وكيلًا وحرسًا وخلعة، ومحاولة تحويل طلب الحماية إلى ترتيب سياسي ومالي.
انتقل الشيخ بعد ذلك إلى اتفاق مع المصريين، كما عاد إلى البريطانيين طالبًا ضمانًا بالحماية. لا يلغي ذلك ما حدث مع فارس، بل يكشف مقدار ما كان الحاكم مستعدًا لوضعه على طاولة التفاوض عندما أصبح استمرار حكمه مهددًا؛ حتى موقعه من السيادة الخارجية أصبح قابلًا للمساومة من أجل المحافظة على سلطته المحلية.
التبعية والجزية منذ 1799
تكشف وثيقة أقدم أن هذا السلوك يعود إلى السنوات الأولى للحكم الخليفي نفسه. ففي سنة 1799، بعد ستة عشر عامًا فقط من استيلاء العتوب على البحرين، تعرض حكام الجزيرة لتهديد من إمام مسقط، فاتجهوا إلى حاكم بوشهر.
وتقول المذكرة البريطانية إنهم عرضوا أن يصبحوا «تابعين يدفعون الجزية لفارس». ولم يبق الأمر عند حدود العرض؛ فقد توجه حاكم بوشهر إلى البحرين وتسلّم منهم دفعة من إيراد السنة السابقة. ولهذا وضعت الوثيقة للواقعة عنوانًا لا لبس فيه: «البحرين تدفع الجزية لفارس، 1799».
وتعرّف سجلات شركة الهند الشرقية المعاصرة حاكم بوشهر في تلك المرحلة بأنه الشيخ نصر آل مذكور، المرتبط بالحكم الذي سبق استيلاء العتوب على البحرين سنة 1783. وبعد ستة عشر عامًا فقط من انتقال السلطة، عاد حاكم بوشهر إلى الجزيرة في ظرف كان فيه الحكام الجدد يعرضون التبعية الخراجية لفارس ويدفعون المال.
تضع الوثائق أمامنا، إذن، ثلاث صور متتابعة خلال العقود الأولى للحكم الخليفي: عرض التبعية ودفع المال لفارس سنة 1799؛ ممثل لشيخ البحرين في طهران يحمل رسالة توظف شيعية السكان لطلب حماية الشاه سنة 1817؛ ثم إعلان الشيخ عبد الله بن أحمد نفسه «رعية للحكومة الفارسية» سنة 1839.
وتبقى رسالة طهران الأكثر اتصالًا بالمفارقة الراهنة. فالسلطة التي تجعل اليوم من الصلة المذهبية بإيران موضع اشتباه في ولاء الشيعة، كان حاكم البحرين في 1817 يستخدم هذه الصلة نفسها لمصلحة حكمه: تحدث باسم سكان البحرين، واستند إلى اشتراكهم المذهبي مع أهل فارس، وقدم الشاه باعتباره «حاميهم ورأسهم»، وأرسل ممثله إلى طهران طالبًا المساعدة.
شيعة البحرين الذين تُطرح علاقتهم بإيران اليوم بوصفها سؤالًا في الولاء، كانوا في تلك الوثيقة التاريخية درعًا سياسيًا احتمى به الحاكم عندما احتاج إلى فارس.


- 2026-10-19الإرهاب بين التعريف الدولي وشماعة النظام البحريني
- 2026-10-17مجزرة "ميناب" تفضح ازدواجية السلطة البحرينية: كفى ادعاءً للمظلومية!
- 2026-10-16لماذا تحقد الدولة على العلماء وتريد أن تذلّهم ؟
- 2026-10-15الدولة مصرّة على مصافحة مجرمي الحرب: تطبيعٌ بلا خجل واستخفافٌ برأي البحرينيين
- 2026-10-12الفرق بين الصحفيين البحرينيين والأمريكيين في قراءة سرديات الحرب الأخيرة