لماذا تحقد الدولة على العلماء وتريد أن تذلّهم ؟

2026-10-16 - 9:53 م

مرآة البحرين: تكشف المحاكمة السرية للعلماء المعتقلين في البحرين عن منحى إجرامي للسلطة البحرينية وأجهزتها الأمنية والقضائية وصل الى مستويات استثنائية.

بحسب ما سُرّب ونُقل عن أستاذ البحث الخارج العلامة الشيخ محمد صنقور البالغ 58 عامًا، فقد أُجبر سماحته على الوقوف وهو معصوب العينين لمدة أسبوع كامل، وتدهورت حالته الصحية.

وفق المعطيات الواردة من السجن، لم يُسأل الشيخ في النيابة العامة سوى عن ثلاثة أسئلة فقط، ليتفاجأ لاحقًا بتلفيق محضر محبوك يتضمن عشرات الصفحات والأسئلة المفبركة التي لم تُطرح عليه مطلقًا.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا تجني الدولة من التضييق وتعذيب علماء دين لا يحملون سلاحًا سوى علمهم وعقيدتهم السلمية؟ ماذا تجني من التعرّض لمشايخ في هذا السنّ؟ هل تضغط عليهم فعليًا كي ينهاروا مثلًا؟

المعاملة السيّئة التي تعتمدها السلطات في البحرين في تعاطيها مع السجناء السياسيين وعلماء الدين الأجلّاء لطالما اشتهرت بها. بهذا الأسلوب، تُراكم الدولة سُمعةً وسخة بين الدول المتحضرة التي تتغنّى دائمًا بمستوى احترامها لحقوق الإنسان ولسجناء مهما كانت تُهمهم سياسي أم جنائية.

هذه المعطيات إن صحّت تكشف حجم الاستخفاف الفاضح بكرامة الإنسان، كما تكشف عن محاولة لتطويع القضاء وتحويله من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لإضفاء غطاء قانوني على الاستهداف السياسي والديني. عندما يُحرم المتهم من أبسط ضمانات الدفاع، وتُثار شبهات بشأن محاضر التحقيق ومضمونها، فإننا لا نكون أمام محاكمة طبيعية، بل أمام مسار يستوجب تحقيقًا مستقلًا ومحاسبة المسؤولين عنه.

وعليه، نعود الى السؤال: ما الذي تخشاه السلطة من عالم دين حتى تحاصره بهذه الطريقة؟ وهل تحوّل العلماء الذين يحظون بمكانة دينية واجتماعية بين أبناء شعبهم إلى مصدر تهديد لمجرد تمسّكهم بمواقفهم وهويتهم الدينية الإسلامية؟ ولماذا تتصرّف معهم انطلاقًا من مبدأ الحقد والكراهية وليس التعايش والانفتاح والتسامح؟ وأكثر إن كانت الدولة واثقة من سلامة إجراءاتها وعدالة اتهاماتها، فلماذا السرية في المحاكمة، ولماذا تغيب الرقابة العامة؟

استهداف العلماء لا يقتصر على أجسادهم التي تُنهك خلف القضبان، بل يمتدّ إلى مكانتهم الدينية، وإلى جمهور واسع يرى فيهم مرجعيات علمية وروحية. وهنا تتجاوز المسألة حدود المعتقل وقضيته لتصبح امتحانًا لمدى احترام الدولة لحرية الاعتقاد والتعبير، ولحق المجتمع في الاحتفاظ بشخصياته الدينية بعيدًا عن الترهيب والإذلال.

السلطة التي تتوهّم أن إخضاع العلماء سيُخضع المجتمع، وأن إنهاك أجسادهم سيُسكت أصواتهم، ترتكب خطأً سياسيًا وأخلاقيًا فادحًا. فالإكراه والتعذيب لا يُنتجان اقتناعًا، والمحاكمات التي تحوم حولها شُبهات جدية لا تمنح الدولة هيبة، بل تضعها في مواجهة أسئلة أكثر إلحاحًا عن حقيقة ما يجري داخل مؤسساتها.

الشيخ محمد صنقور وسائر العلماء المعتقلين ليسوا خارج دائرة الحقوق الإنسانية، ولا تسقط عنهم ضمانات العدالة لأنهم علماء شيعة أو أصحاب مواقف لا ترضي السلطة. ومن حق الرأي العام أن يعرف حقيقة ما يجري، ومن واجب الجهات المعنية أن تكشف ظروف اعتقالهم، وتضمن سلامتهم الجسدية والنفسية، وتتيح محاكمات علنية وعادلة، وتحقق في كل ادعاء موثوق بشأن التعذيب أو التلاعب بمحاضر التحقيق.