قصة قصيرة.. تحت آخر سماء

حسن ناصر - 2026-10-04 - 3:19 م

مرآة البحرين: * تنويه: قصة خيالية تستلهم آخر خطاب ألقاه السيد حسن نصر الله في 19 أيلول/سبتمبر 2024، وأحداث القصف الإسرائيلي على لبنان، وما رافقها من لحظات إنسانية مؤلمة.

كان المخبأ تحت الأرض أضيق من أن يتّسع لكل ذلك الخوف. أربعة جدران إسمنتية، باب حديدي ثقيل، ومصباح أصفر يتدلّى من سلك مكشوف، يتأرجح كلما اهتزت الأرض. في الزاوية شاشة تلفاز صغيرة تعرض تسجيلًا لخطاب أُعيد بثه أكثر من مرة، وتتقطع صورتها كل بضع ثوانٍ. وإلى جوار الحائط بندقية وحقيبة إسعاف. كان الغبار يتساقط من السقف مع كل انفجار قريب، ثم يستقر على الوجوه والملابس كطبقة أخرى من الصمت.

كان أبو علي جالسًا قرب الباب، يضع جهاز الراديو إلى جواره، يصغي أكثر مما يتكلم. أما ياسر، ابنه ذو الستة عشر عامًا، فكان جالسًا أمام التلفاز، يراقب الشاشة كأن شيئًا ما فيها يمكن أن يطمئنه.

قال ياسر، دون أن يرفع عينيه عن الشاشة: «هل سيظهر؟»

عرف أبو علي من يقصد، فقال بهدوء: «إذا استقرت الصورة، سيأتي صوته، إن شاء الله».

رفع ياسر الصوت قليلًا. لم يعترض أبوه. بدأ الصوت يصلهم واضحًا رغم التشويش. تحدث عن الشهداء والجرحى وعائلاتهم، وعن الذين وقفوا إلى جانبهم، وعن لبنان وغزة، وعن أيام مقبلة لن تكون قصيرة. وفي أثناء حديثه، التقط ياسر عبارة «الخبر ما ترون لا ما تسمعون»، وبقيت عالقة في ذهنه من دون أن يفهم لماذا. لم يفهم كل الكلمات، لكنه كان يصغي بالطريقة نفسها التي يصغي بها أبوه.

بعد لحظات سأل: «هل يعرف أسماءهم؟»

التفت أبو علي إليه وقال: «أسماء من؟»

«الذين يتحدث عنهم.»

صمت الأب قليلًا، ثم قال: «لا أحد يعرف أسماء الجميع.»

عاد ياسر ينظر إلى الشاشة وقال: «لكنه يتحدث عنهم كأنه يعرفهم.»

لم يجب أبو علي.

في الخارج، كان شيء ما يهوي بين حين وآخر، فتصلهم رجّة خفيفة، ثم يعود كل شيء إلى السكون. كان الصمت بين الانفجارات أثقل من الانفجار نفسه. رائحة البارود تختلط برائحة الإسمنت والرطوبة والعرق، وكل حركة في المخبأ تبدو محسوبة، كأن الصوت نفسه قد يكون خطرًا.

فجأة جاء صوت من الممر؛ صرخة قصيرة، ثم أنين. نهض أبو علي بسرعة وأخذ حقيبة الإسعاف، وقال لياسر: «ابقَ هنا.»

سأله ياسر: «إلى أين؟»

لكنه لم يجب، وفتح الباب وخرج.

بقي ياسر واقفًا للحظات، ثم عاد إلى مكانه. كان صوت التلفاز مستمرًا، لكن الكلمات صارت بعيدة. بعد دقائق ظهر أبو علي من جديد، يسند رجلًا مصابًا. كان الدم يغطي جزءًا من ملابسه ويديه. ساعده ياسر على الجلوس، فقال الرجل بصوت متقطع: «لا تتركني.»

انحنى أبو علي عليه، وضغط بيده على الجرح وقال: «لن أتركك.»

كانت الجملة بسيطة، لكنها بقيت في رأس ياسر. نظر إلى يد أبيه الملطخة بالدم، ثم إلى التلفاز. كان الصوت لا يزال يتحدث عن الشهداء والجرحى والعائلات ومن بقوا إلى جانبهم، بينما كانت أصوات الطائرات تتداخل مع الكلمات.

ثم جاء الانفجار.

هذه المرة لم يكن بعيدًا. اهتزت الجدران بعنف، وانشق جزء من السقف، وتساقط الغبار والحجارة دفعة واحدة. انطفأ المصباح، وسقط شيء معدني على الأرض، وارتفعت صرخة في الظلام.

نادى ياسر: «أبي؟»

جاءه الصوت من مكان قريب: «أنا هنا.»

مد ياسر يده في الظلام حتى لامست أصابع أبيه، وأمسكها بقوة. بقي الاثنان على تلك الحال وسط الغبار والظلام، بينما كان الرجل المصاب يئن في الزاوية.

مرّت دقائق لم يعرف ياسر عددها. لم يعد هناك تلفاز ولا مصباح؛ فقط أصوات متقطعة وأنفاس متسارعة، وأصوات حجارة تتحرك في الخارج. كان الباب قد انحشر تحت الركام.

دفع أبو علي الباب مرة، ثم أخرى. جاء رجال من الخارج، وتجمعت أيديهم على الحديد، ودفعوا معًا حتى تحرك الباب قليلًا. دخل خيط رفيع من الضوء، ثم اتسعت الفتحة.

خرج أبو علي أولًا، ثم عاد ليسند الرجل المصاب. تبعه الآخرون. بقي ياسر عند العتبة للحظة، لا يعرف هل ينظر إلى ما نجا منه أم إلى ما خسره.

كان الليل قد نزل، والغيوم منخفضة فوق البيوت. نوافذ بلا زجاج، جدران مفتوحة على الركام، وأصوات بعيدة تتنقل بين الأزقة.

مرّت الأيام مثقلة بالانتظار.

وفي الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر، عاد التيار للحظات. أضاءت الشاشة وسط الغبار، لكن الصوت الذي كان يملأ المخبأ قبل أيام لم يعد. ظهرت صورة مضطربة، ثم بدأت مذيعة في إحدى القنوات الداعمة للمقاومة تقرأ الخبر. كان صوتها شجيًا، مثقلًا بالحزن، يتعثر بين الكلمات، وكأنها هي نفسها تحاول أن تستوعب ما تنقله. توقفت لحظة، ثم أعلنت الخبر.

لم يتحرك ياسر. كان وجه المذيعة على الشاشة، وعيناها تحملان صدمة الخبر، فيما بدا صوتها كأنه يخرج من مكان أبعد من الكلمات. نظر ياسر إلى أبيه، فلم يقل أبو علي شيئًا. كان وجهه ساكنًا، لكن شيئًا فيه انكسر، أو هكذا بدا لياسر.

لم يحتج ياسر إلى أن يسأل عن شيء. انتشر الخبر سريعًا، وكأن الجدران نفسها لم تستطع احتجازه. ومن الخارج بدأت تصل أصوات الناس؛ بكاء ونحيب ونداءات متقطعة، ثم ارتفعت الأصوات في الأزقة واتسعت حتى صار من الصعب تمييز صوت عن آخر. كان الحزن أكبر من المخبأ؛ رجل يبكي لأنه فقد من كان يراه أبًا، وامرأة تردد اسمه وهي تبكي، وأصوات تتداخل في الخارج، كل منها تحمل جزءًا من مرارة الفقد ولوعة الفراق.

ثم انطفأت الشاشة من جديد.

ظل ياسر ينظر إليها. للمرة الأولى، فهم أن الصوت الذي كان يستند إليه لن يعود، لكن شيئًا من ذلك الصوت بقي في المكان. نظر إلى أبيه، فتذكر يده وهي تضغط على جرح الرجل، وتذكر صوته: «لن أتركك.»

جاء من الداخل نداء مكتوم.

تردد ياسر، وخطَا نصف خطوة ثم توقف. نظر إلى أبيه مرة أخرى. لم يقل أبو علي شيئًا، فقط نظر إليه.

تقدم ياسر خطوة، ثم أخرى، ودخل.

كان أحد الشبان ينادي من بين الركام. اقترب ياسر حتى رأى رجلًا عالقًا تحت كتلة من الإسمنت. قال الشاب: «أمسك بي.»

مد الرجل يده، لكنه تردد لحظة، ثم أمسكها. شد ياسر بكل قوته، لكن شيئًا لم يتحرك. وصل أبو علي، ووضع كتفه إلى جانب كتف ابنه وقال: «معًا.»

دفعا. تحرك الإسمنت قليلًا، ودخل خيط من الضوء بين الركام. جاءت أيدٍ أخرى، ودفع الجميع معًا، حتى انزلق الرجل إلى الخارج وسقط على الأرض يلهث.

جلس ياسر للحظة، والغبار يغطي وجهه وملابسه. لم يقل شيئًا.

خرجوا جميعًا إلى العراء. رفع ياسر رأسه. كانت السماء لا تزال ملبدة بالغيوم، ثقيلة وقريبة. تحتها بيوت مهدمة، جدران مفتوحة، وأصوات بعيدة تبحث عن أصحابها. وفي مكان صغير بين الغيوم، ظهر خيط من الضوء.

مد ياسر يده، وأمسك يد أبيه.

وبقيا واقفين تحت السماء.