وحدة وطنية على قياس الملك

2026-10-02 - 5:16 م

مرآة البحرين: "الوحدة الوطنية وأمن الوطن مرتكز تلتزم به جميع الآراء"، الموقف لحاكم البلاد حمد بن عيسى خلال استقباله نجله ولي العهد سلمان بن حمد وعدد من كبار المسؤولين.

يقول الملك إن "الحفاظ على الوحدة الوطنية وأمن الوطن واستقراره ومقدّراته يظل مرتكزًا أساسيًا تلتزم به جميع الآراء والمقترحات الوطنية المخلصة، لتسهم في ترسيخه وتعزيزه، وتكون غايتها دعم تماسك مجتمعنا، واستدامة مسيرة التنمية والازدهار والبناء، ومواصلة تحقيق المزيد من المنجزات الوطنية لأبناء الوطن وأجياله القادمة".

ولأن الكلام صادر عن "القيادة الرشيدة"، لا بدّ من تفكيك الخطاب الذي يتكرر صباحًا ومساءً ولا تعرف السلطة غيره، لتظهير مكامن الوحدة الوطنية المُدّعاة دائمًا:

أولًا: الوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة. إذا كانت الوحدة الوطنية مرتكزًا أساسيًا لكل الآراء والمقترحات، فالسؤال البديهي هو: هل تعني الوحدة الوطنية أن تتفق الآراء مع رأي السلطة، أم أن تكون للمواطن مساحة حقيقية للاختلاف والنقد والاعتراض؟ الاختلاف السياسي ليس بالضرورة تهديدًا للوطن، والنقد ليس اعتداءً على الدولة، والمعارضة ليست مرادفًا لانعدام الولاء.

ثانيًا: أيّة وحدة وطنية نتحدث عنها؟ الوحدة الوطنية لا تُقاس بعدد البيانات الرسمية التي تتحدث عنها، وإنما بمدى شعور المواطنين بأنهم متساوون في الحقوق والفرص. وإذا كانت السلطة تريد مجتمعًا متماسكًا، فإن التماسك لا يُبنى فقط من خلال الدعوة إلى الاصطفاف، بل من خلال معالجة أسباب الاحتقان والخلاف، والاستماع إلى المواطنين المعارضين لها قبل مطالبتهم جميعًا بالوقوف في الصف نفسه.

ثالثًا: لا يمكن أن تكون الوحدة ذريعة لإسكات الاختلاف. السلطة تقول إن جميع الآراء والمقترحات الوطنية المخلصة يجب أن تلتزم بأمن الوطن واستقراره، لكن من يحدد حدود "الرأي المخلص"؟ وهل يصبح الرأي وطنيًا فقط عندما ينسجم مع الرواية الرسمية؟ أم أن الوطنية تتسع أيضًا للرأي المعارض والناقد؟ هذه ليست أسئلة تُرمى في الهواء، بل هي جوهر أي حديث جدي عن الوحدة الوطنية.

رابعًا: ماذا عن الوحدة الاجتماعية؟ الحديث عن "تماسك مجتمعنا" يحتاج أيضًا إلى النظر إلى المجتمع نفسه: هل يشعر جميع مكوناته بأنهم متساوون في المواطنة؟ الحديث عن الوحدة الوطنية يصبح أكثر إقناعًا عندما تكون المواطنة هي الرابط الأول بين الناس، لا عندما يشعر جزء من المجتمع أن عليه أن يُثبت ولاءه بصورة مستمرة حتى يُعامل بوصفه مواطنًا كامل الحقوق.

خامسًا: هل من الوحدة الوطنية معاداة مكوّن أساسي من الشعب؟ إذا كانت الوحدة الوطنية، بحسب الخطاب الرسمي، تقوم على تماسك المجتمع وحماية أمنه واستقراره، فكيف تستقيم هذه الوحدة مع سياسات يشعر معها مكوّن وطني أساسي، أي المكوّن الشيعي، بأنه مستهدف في هويته الدينية والسياسية والاجتماعية؟ هل تكون الوحدة الوطنية عبر التضييق على المكوّن الشيعي في شعائره ومؤسساته ورجاله وخطبائه، واستدعاء علمائه واعتقال كبارهم ومحاكمتهم، وفرض المزيد من القيود على المجال الديني، ثم مطالبة هذا المكوّن نفسه بأن يصفّق لخطاب الوحدة؟ وهل من الوحدة أن تُشنّ حرب أمنية وسياسية على جزء من المواطنين، ثم يُطلب منهم في الوقت نفسه أن يكونوا شركاء في "تماسك المجتمع"؟

وعليه، الوحدة لا تُبنى بمحاصرة مكوّن، ولا بتجفيف مساحته الدينية، ولا بإضعاف حضوره الاجتماعي، ولا باعتقال رموزه، ثم مطالبة الجميع بالتصفيق للوحدة.

الوحدة الوطنية الحقيقية تبدأ من الاعتراف بأن البحرين ليست لونًا واحدًا، وأن اختلاف المذاهب والتيارات والانتماءات لا يُلغي حقيقة الانتماء إلى وطن واحد. أما أن يُطلب من المواطن أن يثبت ولاءه لأنه مختلف مذهبيًا أو سياسيًا، فهذه ليست معادلة وحدة، إنها معادلة مواطنة مشروطة.

والسؤال الذي يفرض نفسه على خطاب "الوحدة الوطنية" اليوم ليس: هل يريد البحرينيون الوحدة؟ فهذا أمر لا يحتاج إلى كثير من الجدل، السؤال الأهم هو: هل تريد السلطة وحدةً يشارك فيها جميع البحرينيين بوصفهم مواطنين متساوين، أم وحدةً مشروطة بقبول الرواية الرسمية وحدها؟