من يُحاسب وزير الداخلية؟

2026-09-29 - 3:36 م

مرآة البحرين: القاعدة الأساس والمرتكز الأول في بناء دولة المؤسسات والقانون أن لا يكون هناك فرد أو جهة خارج دائرة المحاسبة، لأن غياب الرقابة والمحاسبة يعني الفوضى والفلتان، وتحكيم لغة الشارع التي لا تقف عند حد التصريحات، بل تتجاوز ذلك بكثير لأنها تستبيح الآخر.

والأخطر عندما يتحول موقع رسمي يمثل الدولة إلى مصدر لتلك الاتهامات أو التصريحات أو الغمز واللمز وإثارة البلبلة، ومحاولة خلط الأوراق، من خلال توجيه اتهامات مرسلة وغير صحيحة، ومن دون دليل أو وقائع حقيقية.

إن ما يقوم به وزير الداخلية البحريني الشيخ راشد بن عبد الله آل خليفة وبشكل متكرر من توجيه اتهامات ذات طابع طائفي هو سلوك خطير وخطير جداً، فهو يوجه اتهامات للطائفة الشيعية بأكملها، من خلال تحويل مبدأ أو نظرية دينية إلى تهمة، ووصف أبناء الطائفة الشيعية بـ"الوكلاء" إنما يهدف إلى سحق المجتمع الشيعي، ووضع أفراده جميعاً على مقصلة السلخ التي يباشرها المرتزقة والمجرمين في أجهزة الأمن والإعلام الذي لم يعد المواطن يفرق بينهما من زاوية مستوى التوحش والتطرف الذي لا يقل بشاعة عن فتاوى التكفير التي أثبتت فشلها وسقوطها، بعد أن حصدت ملايين الأبرياء بحجة أنهم كفار وخارج الملة، ويستحقون العذاب والعقاب نتيجة إيمانهم أو ارتباطهم بفكرة.

إن توجيه الاتهامات المتكررة من قبل وزير الداخلية قبل إجراء أي تحقيق، وترديد سرديات سخيفة تفتقد لأبسط معايير العدالة، هو سلوك منافٍ لأبسط مقومات العدالة، والأخطر هو إلغائه لدور السلطة القضائية، وإثبات افتقادها للنزاهة وخضوعها لجهاز الأمن ووزيره يعني عملياً تهميش تلك السلطة التي تغاضت مراراً عن يصدر من وزير الداخلية من اتهامات وأكاذيب علنية تمس وحدة المجتمع والسلم الأهلي.

 

يمكن لأصغر متعلم في المجال القانوني أن يصنف تصريحات وزير الداخلية ضمن ثلاثة أنواع من الإتهامات المنصوص عليها في قانون العقوبات البحريني، وأبرزها "إذاعة أخبار كاذبة" وفقاً للمادة 168، و"اتهام أشخاص بارتكاب جريمة أو واقعة تجعلهم محل احتقار"، وهذا ما نصت عليه المادة 364 والتي تنص على تجريم إسناد واقعة إلى شخص بإحدى طرق العلانية إذا كانت الواقعة من شأنها أن تجعله محلاً للعقاب أو للإزدراء، بالإضافة إلى ما نصت عليه المادة 172 من قانون العقوبات والتي تُجرّم علناً التحريض على بغض طائفة من الناس أو الازدراء بها إذا كان من شأن التحريض اضطراب السلم العام.

 

وكان ملحوظاً من تلك التصريحات في الشكل والمضمون والتوقيت سعيها لتحقيق غرض غير مشروع لأهداف سياسية وطائفية وخلافات خارجية. 

ولنضع الأمور في نصابها وبشكل مهني بعيداً عن السياسة، ماذا لو صدرت من أي مواطن ذات الاتهامات والعبارات التي أطلقها وزير الداخلية؟ بالتأكيد سيكون مصيره السجن، وستنبري كل منابر الإعلام لمواجهته، وماذا لو أقدم أحدهم على تصنيف فئة من المواطنين بوصفهم غير وطنيين، وعملاء ووكلاء، بل وخارجين عن المِلّة؟

 

إن ترك وزير الداخلية يمارس هذا النوع من الازدراء، وإطلاق اتهامات مرسلة تمس البعد الوطني، يفرض سؤالاً كبيراً: ما الذي يجعل وزير الداخلية بمنأى عن المحاسبة؟ وكيف مُنح عمليًا صلاحية القاضي وقدرة الحاكم ودور المنفذ. مشهد ينفي صفة دولة القانون والمؤسسات عن البحرين، ويُبقي السؤال المحوري اليوم: من يُحاسب وزير الداخلية؟