«المختار».. عين أخرى لوزارة الداخلية.. لا تغيب!
زينب علي - 2026-09-07 - 7:19 م
مرآة البحرين: تعود وظيفة «المختار» إلى المشهد البحريني من جديد، في ظل سلسلة من الإجراءات الأمنية التي طالت، خلال الأشهر القليلة الماضية، شريحة واسعة من المجتمع، بما لها من جذور وامتدادات اجتماعية وتاريخية، بالتزامن مع إغلاق عدد من الجمعيات والمؤسسات الدينية والاجتماعية.
بالنظر إلى مجمل هذه الإجراءات والممارسات، وفي مقدمتها استهداف الهوية المذهبية واعتقال كبار علماء الدين الشيعة، يتولد لدى المواطن انطباع بأن الدولة تتجه نحو إعادة إحياء نظام المخاتير في المناطق، ولكن بصيغة حديثة، يفتح المجال أمام قيامهم بدور يتجاوز تقديم الخدمات الاجتماعية إلى ممارسة المراقبة وجمع المعلومات.
قرار عودة المختار يهدف في جوهره أيضًا إلى عزل علماء الدين بشكل تام عن وظيفتهم الأساسية في الإرشاد والتوجيه، وإبعادهم عن الدور الذي طالما قاموا به في خدمة المجتمع واحتضان قضاياه.
وبحسب ما هو مطروح، فإن موظفاً تابعاً لوزارة الداخلية، هو «المحافظ»، يتولى اختيار شخصية المختار، فيما يصدر وزير الداخلية قرار تعيينه، مع احتفاظه بصلاحية عزله خلال فترة عمله. ودون الدخول في جدل طويل حول التسمية أو الشكل الإداري، فإن إعادة إنتاج هذه الوظيفة ستمنح الدولة وسيلة أكثر سهولة للوصول إلى تفاصيل المجتمع المحلي، من خلال منصب يصبح بمثابة مرآة عاكسة لما يجري في القرى والمدن، ولحركة المواطنين وأنشطتهم واحتياجاتهم، سواء كانت صغيرة أم كبيرة.
المختار في هذا التصور، لا يعود مجرد حلقة وصل بين المواطن والجهات الرسمية، بل سيتحول إلى مصدر واسع للمعلومات عن طبيعة المجتمع المحلي، من القضايا التي تشغل الناس، إلى احتياجاتهم، وصولًا إلى تحديد الشخصيات الأكثر تأثيراً في مناطقهم، وطبيعة العلاقات والأنشطة التي تدور داخل الأحياء والقرى.
وتزداد حساسية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بالمواطن الذي يعيش تحت ضغط الفقر والحاجة. خصوصًا فيما يرتبط بالأسر الأشد فقراً، فقد تصبح الحاجة مدخلاً واسعاً إلى حياة البسطاء، ولا سيما أولئك الذين يعتمدون على دخل محدود ويبحثون عن أي وسيلة لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وتشير أرقام وتقديرات إلى اتساع شريحة البحرينيين من ذوي الدخل المحدود، كما سبق وأن أثيرت تقديرات بشأن نسبة المواطنين ممن يقل دخلهم عن 400 دينار بواقع 37 الف مواطن، أي ما يقارب 22% من أصل السكان. كما أقرت وزارة التنمية الاجتماعية نفسها بوجود أكثر من 17 ألف مستفيد من إعانات ومساعدات مختلفة، وهي أرقام تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن واقع الفقر والحاجة في البحرين، ومدى قدرة الأرقام الرسمية على عكس الصورة الكاملة لهذا الواقع.
لكن المؤشر الأكثر دلالة ربما يتمثل في الدور الذي لعبته الصناديق الخيرية التابعة للمناطق في مساعدة الأسر المحتاجة.
وقد أصبحت هذه الصناديق أو الجمعيات الخيرية موضع اهتمام ومراقبة، ولا سيما في القرى ذات الغالبية الشيعية، الأمر الذي يثير تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت الرقابة مقتصرة على تنظيم العمل الخيري وضمان الالتزام بالقانون، أم أنها تمتد إلى تتبع شبكات التضامن الاجتماعي، ومصادر الأموال، والممولين، وطبيعة احتياجات الأسر الفقيرة.
وبالعودة إلى فكرة المختار، فإن الإشكال لا يكمن بالضرورة في المسمى الوظيفي نفسه، وإنما في الصلاحيات والدور اللذين يمكن أن يُمنحا له. فإذا تحول المختار إلى مجرد مراسل يعمل بصورة طوعية أو شبه رسمية على نقل متطلبات المواطنين ومعلوماتهم إلى الجهات الرسمية، فإن العلاقة بين المواطن والدولة قطعاً ستأخذ منحى مختلفاً تماماً. عندها لن يكون المواطن أمام شخص يساعده في إيصال مطالبه فحسب، بل أمام قناة يمكن، في حال غياب الضوابط، أن تنتقل عبرها تفاصيل من حياته واحتياجاته وعلاقاته ونشاطه الاجتماعي إلى الجهات الرسمية.
وهنا تكمن المسألة الأساسية.. هل نحن أمام عودة لدور اجتماعي قديم بصورة حديثة، أم أمام إنشاء شبكة رقابة محلية أكثر قرباً من المواطن؟
الفرق بين الأمرين لا تحدده تسمية «المختار»، وإنما حدود الصلاحيات، وآليات جمع المعلومات، والجهات التي يحق لها الاطلاع عليها، والضمانات القانونية لحماية خصوصية المواطنين، ومدى استقلال هذا المنصب عن الأجهزة الأمنية.
إن غياب هذه الضمانات قد يجعل المواطن يشعر بأنه أصبح مكشوفاً أمام الدولة في تفاصيل حياته اليومية، وأن الأحياء والقرية والمدينة لم تعد مجرد فضاءات اجتماعية يعيش فيها الناس، وإنما تحولت أيضاً إلى نقاط لجمع المعلومات عنهم.
وفي النهاية، فإن أي عودة لدور «المختار» ينبغي أن تُقاس أولاً بمدى خدمتها للمواطن وحماية حقوقه، لا بمدى قدرتها على مراقبته، فالدولة التي تريد بناء الثقة مع مواطنيها تحتاج إلى مؤسسات تحميهم وتستمع إليهم وتتعامل معهم بشفافية، لا إلى أدوات تجعل المواطن يشعر بأنه يعيش تحت عينٌ لا تغيب.!
- 2026-09-06محاصرة العمل الخيري: القانون غير المكتوب لحصار الشيعة في البحرين
- 2026-09-05مرسوم ملكي بالعودة إلى تلفونات «أبو ليت»
- 2026-09-04ماذا بقي للبحرينيين ليختاروه؟ حمد بن عيسى ومتلازمة التعيينات!
- 2026-09-03من أحضان أفيخاي أدرعي إلى شاشات سكاي نيوز عربية.. هل تنفجر فقاعة عهدية أحمد في وجه من نفخها؟
- 2026-09-02حين تتحول محاكمة الأفراد إلى استهداف معتقدات وطائفة بأكملها