محاصرة العمل الخيري: القانون غير المكتوب لحصار الشيعة في البحرين

عباس المرشد - 2026-09-06 - 3:15 م

مرآة البحرين: لا تحتاج السلطة في البحرين إلى إصدار قانون يحمل اسم «حصار الشيعة». يكفي أن توزع الحصار على مجموعة من القوانين والقرارات والإجراءات، كل واحد منها يحمل عنوانًا إداريًا محايدًا، ثم تجمع آثارها على الأرض. مرة تحت عنوان تنظيم الأوقاف، ومرة تنظيم الشعائر، ومرة مكافحة التطرف، واليوم تحت عنوان تنظيم جمع الأموال. تتغير العناوين، لكن المساحة التي تتحرك فيها المؤسسات الشيعية تضيق باستمرار.

القرارات الجديدة المنظمة لجمع الأموال تقدم نموذجًا واضحًا لهذه السياسة. فمن حيث الشكل، نحن أمام قواعد يمكن لأي دولة أن تقول إنها ضرورية لضبط التبرعات ومنع غسل الأموال وتمويل الإرهاب. لكن الدولة لا تطبق قوانينها في فراغ. وحين تمنح السلطة التنفيذية نفسها حق الترخيص للجمع، ومراقبة مصادر الأموال، ومتابعة أوجه صرفها، والموافقة على التحويلات من الخارج وإليه، وتقييم المخاطر، وفرض الغرامات، بل والتحفظ على الأموال والتدخل في مصارفها، يحق لنا التساؤل عن مقدار الاستقلال المتبقي للمؤسسة الأهلية بعد إخضاع دورة المال كلها للإدارة الحكومية؟

المفارقة أن الإعلان عن هذه المنظومة الرقابية جاء في اليوم نفسه الذي خرج فيه الشيخ ناصر بن حمد، ممثل الملك للأعمال الإنسانية ورئيس مجلس أمناء المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، ليقول إن العمل الخيري «قيمة أصيلة وراسخة في المجتمع البحريني»، وإن البحرين تمتلك «تاريخًا طويلًا في العمل الخيري، أسهمت في بنائه مؤسسات المجتمع وأفراده، وتناقلته الأجيال جيلًا بعد جيل». كلام صحيح في وصفه لتاريخ المجتمع، لكنه يصطدم بالسياسة التي تتبعها الدولة تجاه جزء أساسي من هذا التاريخ.

فإذا كان العمل الخيري، كما يقول ناصر بن حمد، قد صنعته «مؤسسات المجتمع وأفراده» وتناقلته الأجيال، فلماذا تريد الدولة اليوم أن تمر دورة هذا العمل كاملة عبر أجهزتها؟ ولماذا يصبح جمع المال وصرفه والتحويل إلى الخارج أو استلام الأموال منه، بل وحتى تقدير مشروعية بعض أوجه الصرف، خاضعًا لسلطة الجهاز التنفيذي؟

التناقض أوضح عندما يقدم ناصر بن حمد المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية باعتبارها «نموذجًا للعمل الخيري المؤسسي». هنا تظهر المشكلة التي تتجاوز الاحتفال باليوم الدولي للعمل الخيري: أي نموذج للعمل الخيري تريده الدولة؟ نموذج ينمو من داخل المجتمع ويحتفظ باستقلاله، أم نموذج مركزي يتحرك تحت مظلتها وإشرافها؟

هذه المسألة أكثر حساسية عند الشيعة؛ لأن العمل الخيري ليس نشاطًا ملحقًا بمؤسساتهم الدينية، بل أحد الأسس التي قام عليها الاجتماع الشيعي تاريخيًا. المآتم والحسينيات والأوقاف وصناديق القرى وكفالة الأيتام ومساعدة الأسر وتمويل الشعائر كلها تعتمد بدرجات مختلفة على المال الأهلي. هذه بالضبط صورة العمل الخيري الذي «أسهمت في بنائه مؤسسات المجتمع وأفراده وتناقلته الأجيال جيلًا بعد جيل» بحسب وصف ناصر بن حمد نفسه. لكن الدولة، بدل أن تحمي استقلال هذه التجربة التاريخية، توسع سلطتها عليها وتسعى لفرض حصار مستوحى من التجربة الإسرائيلية في حصارها على الشعب الفلسطيني.

ولا يمكن قراءة ذلك بعيدًا عما سبقه. أُغلق المجال السياسي المنظم للمعارضة، ثم اتسعت تدخلات الدولة في المجال الديني وطالت الأوقاف والشعائر، واليوم تصل إلى شبكات التمويل الأهلي. لكل إجراء عنوانه ومبرراته القانونية، لكن النتيجة واحدة: مساحة أقل يدير فيها الشيعة شؤونهم بصورة مستقلة، ومساحة أكبر تتحكم فيها السلطة التنفيذية.

هنا يظهر «القانون غير المكتوب». لن نجد مادة قانونية تقول إن الشيعة مستهدفون، ولا تحتاج السلطة إلى كتابتها. النصوص عامة ومحايدة في ظاهرها، أما السياسة فتظهر عندما ننظر إلى من يدفع الكلفة الفعلية لتراكمها، وبعد سنوات من هذه الإجراءات سيبرز السؤال عن ما أبقته القوانين من استقلال سياسي وديني واجتماعي للشيعة.

فالسلطة التي تتعامل مع استقلال أكبر مكوّن اجتماعي في البلاد باعتباره خطرًا تحتاج باستمرار إلى مزيد من القوانين لضبطه. وكلما توسعت دائرة الضبط تراجعت الثقة بالدولة، ثم يعود النظام ليقدم هذا التراجع بوصفه دليلًا على مشكلة في الولاء. وهكذا تصنع السياسة أسباب استمرارها بنفسها.

الأشد خطورة هو إدخال مكافحة تمويل الإرهاب و«تقييم المخاطر» إلى هذه المساحة، في وقت صار فيه الخطاب الرسمي تجاه الشيعة أكثر التصاقًا بإيران وولاية الفقيه والولاءات الخارجية. المشكلة ليست في مكافحة الإرهاب، فهذا واجب الدولة، وإنما في أن السلطة التي تنتج خطاب الاشتباه في ولاء مواطنيها هي نفسها التي تحدد من يمثل «مخاطرة»، وتراقب أمواله، وتقرر مشروعية أوجه صرفها، وتملك معاقبته.

هنا يلتقي الخطاب السياسي بالقانون المالي. فإذا كانت الدولة قد اختارت تقديم إيران وولاية الفقيه بوصفهما مفتاحًا لتفسير جانب واسع من النشاط الشيعي، فإن إخضاع الأموال الدينية والخيرية لمنظومة تقوم على تقييم المخاطر يفتح الباب أمام انتقال الشبهة السياسية إلى المال.

مثل هذه السياسة لا يصح تحميل مسؤوليتها لوزارة أو جهاز تنفيذي. فالمسؤولية السياسية تقع على رأس النظام، وعلى الملك حمد بن عيسى تحديدًا. فبعد أكثر من ربع قرن في الحكم، ومع تراكم الإجراءات السياسية والقانونية في الاتجاه نفسه، يصعب تصوير ما يجري باعتباره سلسلة قرارات منفصلة اتخذها وزراء وموظفون. الملك هو رأس الدولة، وهذا المسار يتشكل في عهده، وبعض أهم أدواته صدرت بمراسيم وتشريعات ترتبط مباشرة بسلطته.

لهذا تتجاوز القرارات الجديدة مسألة جمع التبرعات، بل تضيف الحصار المالي إلى حصار سياسي وديني ومؤسسي سبقها. والمشكلة ليست أن الدولة تنظم المجال العام، وإنما أنها تبني تدريجيًا علاقة يصبح فيها وجود المؤسسة الشيعية ممكنًا، لكن استقلالها أقل فأقل.

هذا هو جوهر المشروع: ليس بالضرورة إلغاء مؤسسات الشيعة، بل إحاطتها بشروط تجعل حركتها ومواردها وقدرتها على الاستمرار خاضعة بصورة متزايدة للدولة.

قد لا يكون في البحرين قانون مكتوب اسمه «حصار الشيعة»، فالحصار لا يحتاج إلى اسم بل تصبح نتائجه هي القانون الذي تعيشه الأغلبية.