حين تتحول محاكمة الأفراد إلى استهداف معتقدات وطائفة بأكملها
زينب علي - 2026-09-02 - 8:54 ص
مرآة البحرين:لا تستغرب أن تمتد محاكمة العلماء لأكثر من نصف يوم، ثلاث عشرة ساعة، إذا كانت القضية كما وصفها أحد الحقوقيين البحرينيين، لا تبدو محاكمة لأفراد بقدر ما تبدو محاكمة لمذهب ومكوّن بأكمله، يُراد التضييق على حضوره وتقليص مظاهره في الحياة العامة.
هذه العبارة، في تقديري، ليست مبالغة في وصف المشهد إذا ما نظرنا إلى سلسلة الإجراءات التي اتخذتها السلطات البحرينية خلال الفترة الماضية، فالمسألة لم تعد تقتصر على اعتقال أشخاص أو محاكمتهم في قضايا محددة، بل امتدت إلى الخطباء والرواديد وأئمة المساجد ورؤساء المآتم والحسينيات، وإلى الشعائر والأوقاف والمظاهر الدينية المرتبطة بالمكوّن الشيعي. ولم تظهر هذه الإجراءات دفعة واحدة، بل بدأت ملامح هذا المسار في الظهور بصورة أكثر وضوحاً منذ أواخر سبتمبر 2024، ثم أخذت دائرة الملاحقة والتضييق في الاتساع، لتشمل فئات ومؤسسات وممارسات دينية مختلفة. فبعد أقل من يوم على إعلان استشهاد السيد حسن نصر الله في أواخر سبتمبر 2024، شرعت السلطة في إجراءات وتهديدات طالت عدداً من الخطباء والرواديد وأئمة المساجد ورؤساء المآتم والحسينيات.
ثم توالت الاعتقالات خلال الفترة اللاحقة، وطالت كثير من المواطنين، قبل أن يدخل المشهد مرحلة أكثر اتساعاً في التاسع من مايو الماضي، إذ صدرت الأوامر باعتقال أكثر من 40 رجل دين، بينهم كبار العلماء ومبلغون وأساتذة في الحوزة العلمية.
واللافت في هذه القضايا أن العناوين والتهم المتداولة لا تبدو، في بعض الحالات، مرتبطة بأفعال محددة بقدر ما هي مرتبطة بالخطاب الديني، أو بالمعتقدات والشعائر. وهنا يبرز السؤال الأهم.. هل تتم محاسبة هؤلاء الأشخاص على أفعال ارتكبوها، أم أن انتماءهم الديني ونشاطهم المرتبط بالعقائد أصبح دافعً رئيسيًا للملاحقة؟
المسألة لا تقف عند الاعتقالات والمحاكمات، فقد تحدثت جهات حقوقية عن ممارسات مُهينة بحق علماء الدين داخل أروقة المحاكم، كما ترددت روايات عن توقيع إفادات تحت ضغوط بلغت حد التهديد بالاعتداء الجنسي، وهي اجراءات بالغة الخطورة، وإذا ما ثبت صحتها فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف حول إجراءات قانونية، بل يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق المتهمين، ويستدعي تحقيقاً مستقلاً وشفافاً في كل ما أثير بشأنها.
من حانب آخر، امتد الجدل إلى الأوقاف والممتلكات الدينية، مع استحداث إجراءات وقرارات أثارت مخاوف جدية بشأن مستقبل الأوقاف المملوكة للمآتم والحسينيات. تزامن ذلك مع قيود أخرى طالت المظاهر والشعائر، من بينها منع المواكب الحسينية وإغلاق صوتيات المآتم الخارجية، إضافة إلى منع أبناء الطائفة من زيارة الأماكن المقدسة في العراق وإيران، وما يصاحب ذلك من تهديد ووعيد.
قد تبدو كل واحدة من هذه الإجراءات، إذا ما نُظر إليها بشكل منفرد، قابلة للتبرير من قبل السلطة سواءً من زواية أمنية أو قانونية. لكن الإشكال يبدأ عندما توضع جميعها في سياق واحد.. اعتقالات، ومحاكمات، وضغوط على الخطباء والرواديد، وقيود على المآتم والمواكب، وإجراءات تمس الأوقاف، وتضييق على مجمل الشعائر.
عندها يصبح من المشروع طرح سؤال أوسع من ملاحقة واعتقال هذا العالم أو ذاك الخطيب، فهل نحن أمام إجراءات أمنية وقانونية محدودة، أم أن هناك مسارًا متسلسلًا يستهدف هوية دينية وممارسات مذهبية متجذرة في المجتمع البحريني؟
إن أخطر ما في المشهد ليس اعتقال عالم أو خطيب أو رادود بعينه، وإنما أن تتحول الممارسة الدينية نفسها إلى مصدر اشتباه، وأن تصبح الشعائر موضع تضييق، وأن يجد علماء الدين أنفسهم في دائرة الملاحقة بسبب خطابهم أو انتمائهم، وأن تمتد الإجراءات إلى المآتم والحسينيات والأوقاف المرتبطة بها.
إن الدفاع عن هذه الحقوق لا يعني المطالبة بامتياز لطائفة على حساب أخرى، وإنما يعني الدفاع عن حق أساسي لكل مواطن في ممارسة معتقده وشعائره الدينية بحرية وأمان، فالدولة التي تحترم مواطنيها لا تجعل العقيدة نفسها سبباً للعقوبة، ولا تحول ممارسة الشعائر إلى جريمة، ولا تتعامل مع مكوّن أصيل من مجتمعها باعتباره مشكلة ينبغي التخلص منها.
ولهذا، فإن السؤال اليوم لم يعد متعلقاً بشخص واحد أو قضية واحدة. فعندما يصبح العالم والخطيب والرادود والمبلّغ، والمأتم والحسينية والمواكب والشعائر، جميعها ضمن دائرة الاستهداف أو التضييق، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل المطلوب محاسبة أفراد على أفعال محددة، وفق محاكمات عادلة وشفافة، أم أن هناك مساراً أوسع من شأنه إضعاف حضور مذهب بأكمله وتقليص مظاهره في الحياة العامة؟
إن كان الأمر الأول، فالمحاكمة العادلة والشفافة هي الفيصل، والأدلة هي التي تحدد المسؤولية. أما إذا أثبتت الوقائع وجود تمييز ممنهج على أساس الانتماء الديني أو استهداف للممارسات والشعائر السلمية، فإن القضية تصبح أكبر من مجرد ملفات قضائية، إنها قضية حقوق وحريات، وحق أصيل في ممارسة المعتقد والشعائر دون خوف أو تهديد أو إذلال.