المنبوذ.. كيف تحوّل الملك حمد إلى حاكم مكروه من شعبه؟
عباس المرشد - 2026-08-29 - 5:05 ص
مرآة البحرين: ربما لو قُدّر لي أن أكتب رواية أدبية تاريخية عن العقدين الأخيرين في البحرين، لاخترت لها عنوان «المنبوذ». فهذه الكلمة تختصر، أكثر من غيرها، المسافة الطويلة التي قطعتها العلاقة بين الملك حمد بن عيسى آل خليفة وقطاع واسع من شعبه واعني هنا تحديدا الأغلبية الشيعية؛ من وعود الإصلاح والمصالحة في مطلع عهده، إلى سنوات امتلأت بالقمع والسجون والأزمات السياسية، وانتهت إلى حالة من القطيعة يصعب معها الحديث عن عقد سياسي يجمع الحاكم بالمحكومين.
السنوات الأخيرة كشفت مقدار الغضب الذي باتت تشعر به الأغلبية الشيعية تجاه حاكم ترى أنه لم يحترم الاتفاقات السياسية التي قامت عليها المصالحة في بداية عهده، ثم دفع منذ عام 2011 بكل قوة الدولة، مستعيناً بالتدخل العسكري الخليجي، إلى مواجهة حركة احتجاجية واسعة وصولًا الى إعلان الحرب غير المعلنة على الشيعة في البحرين. منذ تلك اللحظة لم تعد الأزمة البحرينية مجرد خلاف بين سلطة ومعارضة حول توزيع الصلاحيات، وإنما تحولت تدريجياً إلى أزمة ثقة وشرعية وذاكرة سياسية مثقلة بالضحايا والسجون والانقسامات.
من ناحية تاريخية، فالنبذ السياسي الذي يواجهه حاكم البحرين ليس ظاهرة بحرينية استثنائية. فالتاريخ مليء بحكام امتلكوا أجهزة الدولة والقوة العسكرية، لكنهم فقدوا في المقابل القدرة على إنتاج القبول الشعبي. المفارقة التي لا يدركها المستبد أن السلطة تستطيع بالقوة منع الناس من التعبير عن رفضهم، لكنها لا تستطيع بالقوة أن تجعلهم يحبونها. تستطيع الحكومة إغلاق الصحف والجمعيات، واعتقال المعارضين، وتجريم الاحتجاج، لكنها لا تستطيع إصدار مرسوم يعيد الثقة إلى مجتمع فقدها.
مأساة «المنبوذ» تصبح أكثر تعقيداً عندما تنتقل العزلة من الداخل إلى المحيط السياسي. فالسياسة الخارجية البحرينية، ولا سيما علاقاتها الوثيقة بالإمارات وإسرائيل، تثير أسئلة متزايدة حول موقع المنامة داخل التوازنات الخليجية وحساباتها تجاه السعودية. كما أن التطبيع مع إسرائيل، في ظل الحرب على غزة، حمّل صورة الحُكم البحريني كلفة إضافية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي. وهكذا لم تعد مشكلة السلطة محصورة في خصومتها التاريخية مع المعارضة المحلية، وإنما امتدت إلى صورتها الإقليمية والعربية. لقد بات الملك معزولة داخليًا وخارجيًا وفقد كل درجات الاحترام التي يحتاجها أي حاكم.
والتجربة التاريخية أمامنا تؤكد بشكل شبه حازم أنه كلما ازداد عزله اجتماعياً في الداخل، ازداد اندماجه في شبكة حماية خارجية تعوض النقص في الشرعية الداخلية. وهنا تظهر واحدة من مفارقات النظام البحريني: كلما تراجعت قدرته على بناء شرعية سياسية داخلية، ازدادت أهمية شبكات الحماية والتحالف الخارجي في ضمان استمراره، وقديمًا قالت العرب في أمثالها أن الطيور على أشكالها تقع. ولهذا تصبح العلاقة بواشنطن والتحالفات الإقليمية والتطبيع مع إسرائيل أكثر من مجرد خيارات في السياسة الخارجية؛ إنها تتحول تدريجياً إلى جزء من معادلة بقاء السلطة نفسها.
أما الأخطر من وجهة نظري فهو انتقال الصراع الداخلي في السنوات الأخيرة إلى مستوى أكثر حساسية، بما يتعلق بالوجود السياسي والديني الشيعي. فالتضييق على المؤسسات والشعائر، ومحاكمة علماء الدين، وتجريم بعض المفاهيم الدينية، والخطاب الإعلامي المصاحب لذلك، كلها تدفع باتجاه تحويل أزمة الحكم مع المعارضة إلى مواجهة أوسع مع البيئة الاجتماعية التي خرجت منها تلك المعارضة. وعندما ينتقل النظام من محاربة خصوم سياسيين إلى التعامل مع جماعة اجتماعية واسعة بوصفها مشكلة أمنية، فإنه لا يحل أزمة الشرعية، وإنما يوسع دائرتها.
الأوقاف.. حين تمتد الخصومة إلى المجال الديني
ولنأخذ مسألة الأوقاف مثالاً على مقدار ما وصلت إليه علاقة الحاكم بالأغلبية الشيعية من خصومة، وعلى السعي المحموم للسيطرة على مواردها ومفاصل قوتها الاجتماعية. فالمسألة هنا لا تتعلق بتنظيم إداري محايد للأوقاف بقدر ما تتصل بنقل مركز القرار من الجماعة الدينية ومؤسساتها إلى السلطة التنفيذية، وتحويل الولاية على المجال الوقفي من ولاية تستمد مشروعيتها من أحكام الوقف وإرادة الواقفين إلى ولاية سياسية تمارسها أجهزة الدولة.
وتبلغ خطورة هذا التحول ذروتها عندما تمتد يد سلطة الدولة إلى إدارة المآتم والمساجد وآليات اختيار القائمين عليها. فالجماعة الشيعية طورت تاريخياً تقاليدها وآلياتها المحلية في إدارة المآتم، بما في ذلك أشكال الانتخاب والتوافق الأهلي، بينما يفتح المسار الجديد الذي يقوده الملك الباب أمام إحلال التعيين والإشراف الحكومي محل هذه التقاليد. وهنا يتحول المأتم من مؤسسة أهلية تديرها الجماعة التي أنشأته وتموله، إلى مؤسسة يصبح استمرارها وطريقة إدارتها ومواردها خاضعة بدرجات متزايدة لقرار السلطة.
ورغم خطورة هذا الشأن الا أن الأمر لن يتوقف عند حدود تعين إدارات المآتم. فحين يمتلك الوزير المختص صلاحيات واسعة تتصل بتوزيع إيرادات الأوقاف وأوجه صرفها وإدارة أموالها، يصبح السؤال متعلقاً بجوهر الوقف نفسه: هل تبقى أموال الوقف مخصصة لغايات الواقفين ومحكومة بشروطهم، أم تتحول عملياً إلى مورد تديره الدولة وفق تقديراتها وأولوياتها؟ وتزداد حساسية المسألة إذا أصبح ممكناً تقييد استفادة بعض المآتم أو المساجد من الموارد الوقفية أو إعادة توجيهها بقرارات إدارية. عندها لا تعود السيطرة على الوقف شأناً مالياً، وإنما أداة يمكن أن تعيد تشكيل موازين القوة داخل المجتمع الشيعي نفسه.
ولا يحتاج الأمر، في ظل هذه الصلاحيات شبه المطلقة، إلى أكثر من غطاء ديني يمنح الإجراءات الحكومية شرعيتها المطلوبة، ولن يكون من الصعب على السلطة الحصول على فتاوى أو موافقات من رجال دين جرى تقريبهم منها وتوظيف حضورهم الديني منذ سنوات في مواجهة المرجعيات الشيعية المستقلة.
يتقاطع ذلك مع ما أعلنه وزير الداخلية بشأن مراقبة الدروس والأنشطة الدينية. وإذا انتهى هذا المسار إلى حصر وظيفة المأتم في القراءة الحسينية خلال مناسبات وأيام محددة، ومنع نشاطه التعليمي والاجتماعي والثقافي بقية العام، فإننا نكون أمام محاولة لفرض توجهات السلطة في ما أسميه بمشروع الترويض أو صناعة البحراني المطيع.
وهنا تكمن خطورة اللعب بهذا الملف. فالمآتم والأوقاف والمساجد ليست عقارات أو حسابات مصرفية ؛ إنها مؤسسات تكونت تاريخياً داخل الوعي الشيعي، وحملت وظائف دينية وتعليمية وتكافلية واجتماعية، وأصبحت جزءاً من ذاكرتها وهويتها الجمعية. ولذلك فإن إخضاعها المباشر للدولة يمكن أن يُقرأ اجتماعياً باعتباره مساساً بالمذهب نفسه، لا مجرد تعديل إداري.
وقد تكون هذه النقطة تحديداً هي الأكثر قابلية لإعادة إشعال الاحتجاج. فسنوات القمع أضعفت التنظيمات السياسية وأغلقت كثيراً من منافذ العمل العام، لكنها لم تُنهِ أسباب الغضب. والاقتراب من الشعائر ومؤسساتها التاريخية يمكن أن ينقل الصراع إلى مساحة أشد حساسية؛ لأن الدفاع عن الشعائر في الوجدان الشيعي يتجاوز الحسابات السياسية المباشرة، ويرتبط بتاريخ طويل من التضحية في سبيل حمايتها، أو كما يعبر البعض "الشعائر دونها الدم". ومن هنا فإن محاولة إخضاع هذه المؤسسات بالقوة لا تضمن إخمادها، وقد تؤدي، على العكس، إلى إيقاظ جمر احتجاج ظل متقداً تحت الرماد طوال السنوات الماضية. فالشعائر الدينية، في الوعي الشيعي، ليست مجالاً يسهل إخضاعه بالقرارات الإدارية؛ إذ ارتبطت تاريخياً بفكرة التضحية والدفاع عنها مهما ارتفعت الكلفة.
وهنا تكتمل مفارقة «المنبوذ»: حاكم بدأ عهده باحثاً عن صورة الملك الإصلاحي الذي ينهي إرث قانون أمن الدولة ويعيد المجتمع إلى المصالحة، ثم انتهى، بعد ربع قرن، إلى مواجهة قطاع واسع من المجتمع، معتمداً بصورة متزايدة على القوة الأمنية والتحالفات الخارجية.
والخلاصة التي ينبغي للملك أن يقرأها كلما نظر إلى نفسه في المرآة، أنه بدأ عهده بمحاولة تحويل الطاعة إلى قبول، وانتهى بعد ربع قرن بمحاولة تحويل الرفض إلى طاعة بالقوة. وتلك هي مأساة «المنبوذ»: أن يمتلك الحاكم كل أدوات السلطة، ثم يكتشف متأخراً أن القوة تستطيع إخضاع الناس، لكنها لا تستطيع أن تنتزع منهم القبول، ولا أن تصنع له مكاناً في قلوبهم.