الأوقاف تُواصل مسلسل الوصاية على المآتم: منذ متى يعرف "روبوت" السلطة النزاهة؟!

2026-08-26 - 5:44 ص

مرآة البحرين: أعلن مجلس شؤون الأوقاف الإسلامية في البحرين أن الإدارة العامة للشؤون الجعفرية تعمل على تطوير وتوحيد إجراءات تولّي مسؤولية المآتم والأوقاف، وذلك على خلفية شكاوى وملاحظات أُثيرت بشأن آليات اختيار القائمين على بعض المآتم، ومدى وضوح ونزاهة الإجراءات المتبعة.

هكذا يقول الخبر الذي أوردته كلّ وسائل الإعلام المحلية في البحرين. طبعًا يُراد للخبر أن يمرّ مرور الكرام وكأنه طبيعي، أو وكأنّ الفئة المُستهدفة من الإعلان تأقلمت مع كل "فرمانات" السلطة وهيئاتها.

يعرف القاصي والداني في البحرين أن الأوقاف الجعفرية هي أوقافٌ للسلطة، لا تُعبّر عن هواجس الطائفة الشيعية، ولا تُعالج فعليًا قضاياهم. هي مجرّد أداة بيد النظام، يوعَز إليها بعض المهام المكشوفة. هذه المرة، وبعد أن أمعنت السلطة في التعرّض ومُحاربة كلّ شؤون الطائفة الشيعية في البلاد، عاقبت علماءها بالسجن والاعتقال والافتراء، تدخّلت بفريضة الخمس مباشرة، حاصرت شعائرها وطقوسها الإسلامية، منعت زيارة أئمتها في العراق، والآن أتى الدور على رؤساء المآتم.

رؤساء المآتم الذين تدّعي السلطة وأعوانها في الإعلان وجود شكاوى بحقّهم، يُعاقَبون اليوم بعد أن رفضوا الانصياع للضوابط التي حدّدتها الأوقاف الجعفرية بطلب من الحكومة أو وزارة الداخلية في الحدّ الأدنى. هم قالوا كلمتهم: إمّا نُقيم شعائرنا ونُسيّر مواكبنا بحرية كما جرت العادة منذ عقود طويلة في البحرين، وإمّا لن نمشي بما تُمليه علينا الأوقاف الصُوَرية.

من أجل هذا، اختلَقَت السلطة قصة من تأليفها: شكاوى وملاحظات على القائمين على المآتم ، ونزاهة الاختيار.

لهذا، نسأل السلطة وأداتها - الأوقاف:

* ما رأيهم أن يخترعوا معايير جديدة للتشيّع في البحرين؟
* ما رأيهم أن يضعوا امتحانًا رسميًا للتشيّع، وتكون الأوقاف الجعفرية هي لجنة التصحيح، ووزارة الداخلية هي المراقب العام، ومن ينجح يُمنح شهادة "شيعي مُعتمد"؟
* ما رأيهم أن تصبح إدارة المأتم وظيفةً حكومية، لها وصف وظيفي ودرجة وراتب، وربما مقابلة شخصية يُسأل فيها المتقدّم: هل ستلتزم بالتعليمات؟ وهل تعرف كيف تردّد "اللهم صلّ على محمد وآل محمد" بالصيغة التي ترضي الإدارة؟
* هل المطلوب توحيد المآتم حتى تصبح كلها نسخة واحدة: نفس المسؤول، نفس التعليمات، نفس الخطاب، ونفس مقدار الصمت؟


إذا كانت المشكلة فعلًا في "نزاهة اختيار القائمين على المآتم"، فلماذا لا تُترك هذه المسألة لأهل المآتم أنفسهم، وللمجتمع الذي يعرف رجاله ويعرف من خدمه لعشرات السنين؟ لماذا تحتاج السلطة إلى أن تكتشف فجأةً أن هناك مشكلة في إدارة المآتم، بعد أن كان هؤلاء أنفسهم يقومون بهذه المسؤوليات منذ عقود؟

المشكلة ليست في اختيار رئيس مأتم، كما تحاول السلطة أن توحي. المشكلة أن السلطة تريد أن تنتقل من مراقبة المأتم إلى إدارة المأتم، ومن تنظيم الشعائر إلى تحديد من يحق له تنظيمها، ومن وضع الضوابط الأمنية إلى صناعة الوصاية الدينية.

وبهذه الطريقة يُصبح المأتم، في نظر الإدارة، جهةٌ تحتاج إلى ترخيص سياسي، ورئيسها موظفًا يحتاج إلى رضا السلطة، وشعائرها نشاطًا ينبغي أن يمرّ عبر بوابة الموافقات.

هذا هو المقصود فعلًا، لذلك فتكن السلطة جريئة ولتقل ذلك بصراحة بلا "لفّ ودوران". لا حاجة إلى حكاية الشكاوى والملاحظات، ولا إلى تجميل القرار بكلمات من قبيل التطوير والتوحيد والنزاهة، فالبحرينيون ليسوا بحاجة إلى قاموس إداري لفهم ما يجري.

قولوا لهم ببساطة: نريد أن نختار من يدير المأتم. وعندها سيكون السؤال الأبسط والأكثر إحراجًا: ومن اختاركم أنتم لإدارة ما ليس لكم؟