» تقارير
عندما يمتدح الملك زوجته.. المجلس الأعلى للمرأة وتفكيك الأسرة البحرانية
عباس المرشد - 2026-08-25 - 4:58 ص
مرآة البحرين: حين يمتدح الملك حمد بن عيسى زوجته سبيكة بنت إبراهيم بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيس المجلس الأعلى للمرأة، فإن المشهد يتجاوز حدود المجاملة العائلية. الملك يهنئ زوجته على نجاح مؤسسة عامة ترأسها الزوجة نفسها، والدولة تمول المؤسسة وتمنحها النفوذ، ثم تتولى الصحافة تقديم النتيجة باعتبارها إنجازاً وطنياً. إنها دائرة صغيرة، لكنها كاشفة للطريقة التي تتداخل فيها العائلة الحاكمة مع مؤسسات الدولة، حتى يصبح من الصعب تحديد أين ينتهي الموقع العائلي وأين تبدأ المؤسسة العامة.
طوال ربع قرن، قدم المجلس الأعلى للمرأة باعتباره أحد أبرز وجوه مشروع «تمكين المرأة» في البحرين. وقد حظي بميزانية كبيرة، وبشبكة علاقات واسعة تخترق الوزارات والأجهزة الحكومية، وبقدرة استثنائية على الوصول إلى مراكز القرار. وتحولت سبيكة بنت إبراهيم، بالتدريج، من رئيسة لمؤسسة رسمية إلى الوجه الشخصي لهذا المشروع، بحيث باتت إنجازات المجلس تقدم بوصفها إنجازاتها، بينما تراجع السؤال الأساسي: ماذا فعلت هذه المؤسسة بكل ما امتلكته من مال ونفوذ عندما احتاجت إليها المرأة البحرانية فعلاً؟
الاختبار الأصعب جاء بعد الأزمة السياسية الكبرى التي شهدتها البحرين. هنا لم تعد القضية مؤتمرات عن تمكين المرأة، ولا أرقاماً عن مشاركتها في سوق العمل، وإنما آلاف الأسر التي دخل الاعتقال والفصل والملاحقة السياسية إلى بيوتها. وجد عدد من النساء أنفسهن أمام واقع جديد: زوج معتقل، ودخل أسري انقطع أو تراجع، وأطفال يحتاجون إلى الإعالة، وملف إسكان أو مساعدة اجتماعية أصبح أكثر إلحاحاً. هنا تحديداً كان يفترض أن تظهر المؤسسة التي تقول إنها وجدت لحماية المرأة وتمكينها.
لكن هذا الملف يفتح واحداً من أخطر الأسئلة المتعلقة بتاريخ المجلس: هل وقف إلى جانب الأسرة البحرانية المتضررة من الاعتقال، أم أصبح جزءاً من آليات التعامل السياسي معها؟
فقد أثيرت، عبر شهادات وتجارب متداولة بين أسر معتقلين، مسألة توجيه بعض زوجات المعتقلين إلى تقديم طلبات انفصال أو طلاق، أو تغيير وضعهن الأسري الرسمي، باعتبار ذلك طريقاً لتجاوز العقبات المتعلقة بطلبات الإسكان أو بعض الخدمات والمساعدات التي تحتاج إليها الأسرة بعد اعتقال معيلها. وهذه ليست مسألة إدارية صغيرة يمكن دفنها في تفاصيل الإجراءات الحكومية. فالزوجة لم تصبح منفصلة بإرادتها الطبيعية عن زوجها، وإنما وضعها الاعتقال السياسي في حالة استثنائية، ثم تأتي المؤسسة لتتعامل مع الأسرة كما لو أن المشكلة تكمن في استمرار رابطة الزواج لا في غياب الزوج داخل السجن.
هنا تحديدا يتبين بشكل جلي تواطؤ المجلس الأعلى للمرأة مع الأجهزة الأمنية التي تديرها عناصر من الأسرة الحاكمة وتظهر
المفارقة القاسية: الدولة تعتقل الزوج، ثم تصبح الزوجة مطالبة بإعادة تعريف أسرتها أمام الدولة حتى تحصل على حقوقها.
وحين تدخل مؤسسة يفترض أنها معنية بحماية المرأة على هذا الخط، يصبح السؤال عن مفهوم «التمكين» نفسه. هل تمكين زوجة المعتقل يعني مساعدتها على المحافظة على استقرار أسرتها في الظروف الاستثنائية التي فرضها الاعتقال، أم دفعها إلى تفكيك الوضع القانوني للأسرة لكي تتناسب مع شروط المؤسسات الحكومية؟ ولماذا لا تستخدم مؤسسة تملك كل هذا النفوذ علاقاتها مع وزارة الإسكان والجهات الاجتماعية لتغيير القواعد التي تضر بهذه الأسر، بدلاً من مطالبة المرأة بتغيير حياتها الأسرية كي تتكيف معها؟
القضية هنا تتجاوز الطلاق والانفصال إلى مستوى أكثر تعقيداً. فالأسرة البحرانية كانت تاريخياً واحدة من أهم شبكات الحماية الاجتماعية والسياسية للمعتقل. الزوجة والأم والأبناء والإخوة يشكلون الحاضنة التي تمنع السجين من العزلة الكاملة، وتحفظ حضوره الاجتماعي خلال سنوات الاعتقال. ومن هنا يصبح التعامل مع الأسرة جزءاً من إدارة الملف السياسي نفسه؛ لأن إضعاف شبكة التضامن المحيطة بالمعتقل يحقق ما لا يستطيع السجن تحقيقه وحده. هكذا تتحول استراتيجيات سبيكة زوجة الملك إلى مكون رئيس ضمن شبكة الإرهاب الرسمية.
وفي هذا السياق تأتي أيضاً محاولات استقطاب أفراد من عائلات الشهداء والمعتقلين والشخصيات السياسية المعارضة. فبدلاً من التعامل مع الأسرة باعتبارها وحدة اجتماعية تعرضت للضرر وتستحق الحماية، يجري التعامل مع أفرادها بصورة منفصلة: هذا يمكن استقطابه، وذاك يمكن منحه فرصة أو منفعة، وآخر يمكن تقديمه إعلامياً باعتباره نموذجاً مختلفاً عن بقية أسرته. وبالتدريج تتحول الخدمات والوظائف والامتيازات من حقوق مواطنة إلى أدوات لإعادة ترتيب العلاقات داخل الأسرة نفسها.
ولا تكمن المشكلة في أن يحصل ابن المعتقل أو ابن الشهيد أو زوجته على وظيفة أو مساعدة؛ فهذا حق لا منة فيه. المشكلة تبدأ عندما تصبح الخدمة مشروطة سياسياً أو تستخدم لبناء علاقة ولاء شخصية مع المؤسسة والسلطة، ثم يوظف المستفيد في مواجهة الموقف السياسي لبقية أسرته. عندها يصبح المطلوب أكثر من مساعدة فرد؛ يصبح المطلوب إنتاج شرخ داخل العائلة: معتقل في السجن، وأفراد يواصلون التضامن معه، وفرد آخر يجري جذبه إلى شبكة المؤسسات الرسمية ثم تقديمه دليلاً على أن المشكلة في المعتقل وموقفه السياسي وليست في السلطة التي اعتقلته.
هناك فرق كبير بين مؤسسة تساعد زوجة معتقل لأنها مواطنة لها حقوق، ومؤسسة تدخل بيت المعتقل لكي تعيد ترتيب علاقاته الداخلية. الأولى تمارس وظيفة اجتماعية، والثانية تصبح جزءاً من إدارة الملف الأمني بأدوات ناعمة.
وهنا تظهر مفارقة أخرى في خطاب المجلس. فهو يرفع شعار حماية الأسرة واستقرارها، بينما تستوجب الاتهامات والشهادات المتعلقة بالتعامل مع أسر المعتقلين إجابة واضحة عن مدى اتساق الممارسة مع هذا الشعار. فإذا كانت امرأة تحتاج إلى الانفصال قانونياً عن زوجها المعتقل حتى تتمكن من تمرير طلب إسكاني أو الحصول على خدمة تستحقها أصلاً، فمن الذي يحمي الأسرة في هذه الحالة؟ ومن الذي فككها؟ وهل يمكن لمؤسسة أن تحتفل بـ«استقرار الأسرة البحرينية» بينما لا تقدم للرأي العام كشفاً واضحاً عن سياساتها تجاه واحدة من أكثر فئات النساء هشاشة خلال سنوات الأزمة السياسية؟
فالمؤسسة التي تريد أن نقيس نجاحها بعدد النساء اللاتي وصلن إلى المناصب ينبغي أن تقبل أيضاً أن نقيسها بعدد النساء اللاتي وقفت معهن عندما أصبح الزوج أو الابن أو الأب معتقلاً سياسياً. والتمكين الذي يعمل داخل الفنادق والمؤتمرات ومؤسسات الدولة، ثم يتوقف أمام باب السجن، ليس تمكيناً عاماً للمرأة؛ إنه امتياز لفئة من النساء تستطيع السلطة إدماجها في مشروعها السياسي.
ومن هنا يمكن فهم صناعة طبقة نسائية مرتبطة بالمجلس. شبكة من المناصب واللجان والبرامج والجوائز والعلاقات والفرص تتشكل حول مؤسسة ترأسها زوجة الملك، فتتحول العلاقة بالمجلس إلى طريق للصعود الاجتماعي والوظيفي. ومع مرور الوقت لا يعود المجلس مجرد جهاز لتنفيذ سياسة عامة، وإنما مركزاً لإنتاج شبكة من المصالح والولاءات المرتبطة برئيسته وبالمشروع الرسمي الذي تمثله.
وهذا يقود إلى الوجه الآخر للقضية: موقع سبيكة بنت إبراهيم داخل بنية الحكم نفسها.
فالمجلس الأعلى للمرأة مؤسسة ذات موارد وعلاقات ممتدة داخل الدولة، واستمرار رئاسته طوال ربع قرن يمنح رئيسته قدرة على بناء شبكة مؤسسية واجتماعية يصعب التعامل معها باعتبارها مجرد نشاط نسائي. وفي نظام تتوزع فيه مواقع القوة والنفوذ بين أفراد العائلة الحاكمة، يصبح مشروعاً السؤال عما إذا كان المجلس قد تحول أيضاً إلى مساحة من مساحات توزيع النفوذ داخل الأسرة، وإلى مركز قوة مرتبط بزوجة الملك يوازن، بدرجات مختلفة، مراكز وشبكات أخرى داخل العائلة.
المشهد الذي تصنعه التهنئة الملكية أكثر دلالة مما يبدو. السلطة تنشئ المجلس، وتضع زوجة الملك على رأسه، وتمنحه الموارد والنفوذ، ثم يحتفي الملك بعد خمسة وعشرين عاماً بنجاح زوجته في إدارة المؤسسة. أما المجتمع، الذي دفع ثمن هذه المؤسسة من المال العام، فيطلب منه أن يصفق للنتيجة من دون أن يرى كشف الحساب.
بعد ربع قرن، المطلوب ليس مزيداً من التهاني. المطلوب نشر ميزانيات المجلس، وتفاصيل إنفاقه، وشبكة المستفيدين من برامجه، وسياساته تجاه أسر المعتقلين، وطبيعة اتصالاته بزوجاتهم وعائلات الشهداء، والإجابة بصورة صريحة عن الاتهامات المتعلقة بطلب الانفصال أو تغيير الوضع الأسري للحصول على الإسكان والخدمات.
عندها فقط يمكن معرفة ما إذا كان المجلس الأعلى للمرأة قد عمل طوال خمسة وعشرين عاماً على تمكين المرأة البحرانية، أم تمكين سبيكة وشبكتها داخل الدولة؛ وعلى حماية الأسرة البحرانية، أم إعادة هندسة بعض الأسر التي وضعتها السياسة أمام السجن والحاجة؛ وعلى بناء مؤسسة وطنية، أم بناء واحدة من واجهات النفوذ والولاء داخل دولة ما زالت العائلة فيها أكبر من المؤسسة.
طوال ربع قرن، قدم المجلس الأعلى للمرأة باعتباره أحد أبرز وجوه مشروع «تمكين المرأة» في البحرين. وقد حظي بميزانية كبيرة، وبشبكة علاقات واسعة تخترق الوزارات والأجهزة الحكومية، وبقدرة استثنائية على الوصول إلى مراكز القرار. وتحولت سبيكة بنت إبراهيم، بالتدريج، من رئيسة لمؤسسة رسمية إلى الوجه الشخصي لهذا المشروع، بحيث باتت إنجازات المجلس تقدم بوصفها إنجازاتها، بينما تراجع السؤال الأساسي: ماذا فعلت هذه المؤسسة بكل ما امتلكته من مال ونفوذ عندما احتاجت إليها المرأة البحرانية فعلاً؟
الاختبار الأصعب جاء بعد الأزمة السياسية الكبرى التي شهدتها البحرين. هنا لم تعد القضية مؤتمرات عن تمكين المرأة، ولا أرقاماً عن مشاركتها في سوق العمل، وإنما آلاف الأسر التي دخل الاعتقال والفصل والملاحقة السياسية إلى بيوتها. وجد عدد من النساء أنفسهن أمام واقع جديد: زوج معتقل، ودخل أسري انقطع أو تراجع، وأطفال يحتاجون إلى الإعالة، وملف إسكان أو مساعدة اجتماعية أصبح أكثر إلحاحاً. هنا تحديداً كان يفترض أن تظهر المؤسسة التي تقول إنها وجدت لحماية المرأة وتمكينها.
لكن هذا الملف يفتح واحداً من أخطر الأسئلة المتعلقة بتاريخ المجلس: هل وقف إلى جانب الأسرة البحرانية المتضررة من الاعتقال، أم أصبح جزءاً من آليات التعامل السياسي معها؟
فقد أثيرت، عبر شهادات وتجارب متداولة بين أسر معتقلين، مسألة توجيه بعض زوجات المعتقلين إلى تقديم طلبات انفصال أو طلاق، أو تغيير وضعهن الأسري الرسمي، باعتبار ذلك طريقاً لتجاوز العقبات المتعلقة بطلبات الإسكان أو بعض الخدمات والمساعدات التي تحتاج إليها الأسرة بعد اعتقال معيلها. وهذه ليست مسألة إدارية صغيرة يمكن دفنها في تفاصيل الإجراءات الحكومية. فالزوجة لم تصبح منفصلة بإرادتها الطبيعية عن زوجها، وإنما وضعها الاعتقال السياسي في حالة استثنائية، ثم تأتي المؤسسة لتتعامل مع الأسرة كما لو أن المشكلة تكمن في استمرار رابطة الزواج لا في غياب الزوج داخل السجن.
هنا تحديدا يتبين بشكل جلي تواطؤ المجلس الأعلى للمرأة مع الأجهزة الأمنية التي تديرها عناصر من الأسرة الحاكمة وتظهر
المفارقة القاسية: الدولة تعتقل الزوج، ثم تصبح الزوجة مطالبة بإعادة تعريف أسرتها أمام الدولة حتى تحصل على حقوقها.
وحين تدخل مؤسسة يفترض أنها معنية بحماية المرأة على هذا الخط، يصبح السؤال عن مفهوم «التمكين» نفسه. هل تمكين زوجة المعتقل يعني مساعدتها على المحافظة على استقرار أسرتها في الظروف الاستثنائية التي فرضها الاعتقال، أم دفعها إلى تفكيك الوضع القانوني للأسرة لكي تتناسب مع شروط المؤسسات الحكومية؟ ولماذا لا تستخدم مؤسسة تملك كل هذا النفوذ علاقاتها مع وزارة الإسكان والجهات الاجتماعية لتغيير القواعد التي تضر بهذه الأسر، بدلاً من مطالبة المرأة بتغيير حياتها الأسرية كي تتكيف معها؟
القضية هنا تتجاوز الطلاق والانفصال إلى مستوى أكثر تعقيداً. فالأسرة البحرانية كانت تاريخياً واحدة من أهم شبكات الحماية الاجتماعية والسياسية للمعتقل. الزوجة والأم والأبناء والإخوة يشكلون الحاضنة التي تمنع السجين من العزلة الكاملة، وتحفظ حضوره الاجتماعي خلال سنوات الاعتقال. ومن هنا يصبح التعامل مع الأسرة جزءاً من إدارة الملف السياسي نفسه؛ لأن إضعاف شبكة التضامن المحيطة بالمعتقل يحقق ما لا يستطيع السجن تحقيقه وحده. هكذا تتحول استراتيجيات سبيكة زوجة الملك إلى مكون رئيس ضمن شبكة الإرهاب الرسمية.
وفي هذا السياق تأتي أيضاً محاولات استقطاب أفراد من عائلات الشهداء والمعتقلين والشخصيات السياسية المعارضة. فبدلاً من التعامل مع الأسرة باعتبارها وحدة اجتماعية تعرضت للضرر وتستحق الحماية، يجري التعامل مع أفرادها بصورة منفصلة: هذا يمكن استقطابه، وذاك يمكن منحه فرصة أو منفعة، وآخر يمكن تقديمه إعلامياً باعتباره نموذجاً مختلفاً عن بقية أسرته. وبالتدريج تتحول الخدمات والوظائف والامتيازات من حقوق مواطنة إلى أدوات لإعادة ترتيب العلاقات داخل الأسرة نفسها.
ولا تكمن المشكلة في أن يحصل ابن المعتقل أو ابن الشهيد أو زوجته على وظيفة أو مساعدة؛ فهذا حق لا منة فيه. المشكلة تبدأ عندما تصبح الخدمة مشروطة سياسياً أو تستخدم لبناء علاقة ولاء شخصية مع المؤسسة والسلطة، ثم يوظف المستفيد في مواجهة الموقف السياسي لبقية أسرته. عندها يصبح المطلوب أكثر من مساعدة فرد؛ يصبح المطلوب إنتاج شرخ داخل العائلة: معتقل في السجن، وأفراد يواصلون التضامن معه، وفرد آخر يجري جذبه إلى شبكة المؤسسات الرسمية ثم تقديمه دليلاً على أن المشكلة في المعتقل وموقفه السياسي وليست في السلطة التي اعتقلته.
هناك فرق كبير بين مؤسسة تساعد زوجة معتقل لأنها مواطنة لها حقوق، ومؤسسة تدخل بيت المعتقل لكي تعيد ترتيب علاقاته الداخلية. الأولى تمارس وظيفة اجتماعية، والثانية تصبح جزءاً من إدارة الملف الأمني بأدوات ناعمة.
وهنا تظهر مفارقة أخرى في خطاب المجلس. فهو يرفع شعار حماية الأسرة واستقرارها، بينما تستوجب الاتهامات والشهادات المتعلقة بالتعامل مع أسر المعتقلين إجابة واضحة عن مدى اتساق الممارسة مع هذا الشعار. فإذا كانت امرأة تحتاج إلى الانفصال قانونياً عن زوجها المعتقل حتى تتمكن من تمرير طلب إسكاني أو الحصول على خدمة تستحقها أصلاً، فمن الذي يحمي الأسرة في هذه الحالة؟ ومن الذي فككها؟ وهل يمكن لمؤسسة أن تحتفل بـ«استقرار الأسرة البحرينية» بينما لا تقدم للرأي العام كشفاً واضحاً عن سياساتها تجاه واحدة من أكثر فئات النساء هشاشة خلال سنوات الأزمة السياسية؟
فالمؤسسة التي تريد أن نقيس نجاحها بعدد النساء اللاتي وصلن إلى المناصب ينبغي أن تقبل أيضاً أن نقيسها بعدد النساء اللاتي وقفت معهن عندما أصبح الزوج أو الابن أو الأب معتقلاً سياسياً. والتمكين الذي يعمل داخل الفنادق والمؤتمرات ومؤسسات الدولة، ثم يتوقف أمام باب السجن، ليس تمكيناً عاماً للمرأة؛ إنه امتياز لفئة من النساء تستطيع السلطة إدماجها في مشروعها السياسي.
ومن هنا يمكن فهم صناعة طبقة نسائية مرتبطة بالمجلس. شبكة من المناصب واللجان والبرامج والجوائز والعلاقات والفرص تتشكل حول مؤسسة ترأسها زوجة الملك، فتتحول العلاقة بالمجلس إلى طريق للصعود الاجتماعي والوظيفي. ومع مرور الوقت لا يعود المجلس مجرد جهاز لتنفيذ سياسة عامة، وإنما مركزاً لإنتاج شبكة من المصالح والولاءات المرتبطة برئيسته وبالمشروع الرسمي الذي تمثله.
وهذا يقود إلى الوجه الآخر للقضية: موقع سبيكة بنت إبراهيم داخل بنية الحكم نفسها.
فالمجلس الأعلى للمرأة مؤسسة ذات موارد وعلاقات ممتدة داخل الدولة، واستمرار رئاسته طوال ربع قرن يمنح رئيسته قدرة على بناء شبكة مؤسسية واجتماعية يصعب التعامل معها باعتبارها مجرد نشاط نسائي. وفي نظام تتوزع فيه مواقع القوة والنفوذ بين أفراد العائلة الحاكمة، يصبح مشروعاً السؤال عما إذا كان المجلس قد تحول أيضاً إلى مساحة من مساحات توزيع النفوذ داخل الأسرة، وإلى مركز قوة مرتبط بزوجة الملك يوازن، بدرجات مختلفة، مراكز وشبكات أخرى داخل العائلة.
المشهد الذي تصنعه التهنئة الملكية أكثر دلالة مما يبدو. السلطة تنشئ المجلس، وتضع زوجة الملك على رأسه، وتمنحه الموارد والنفوذ، ثم يحتفي الملك بعد خمسة وعشرين عاماً بنجاح زوجته في إدارة المؤسسة. أما المجتمع، الذي دفع ثمن هذه المؤسسة من المال العام، فيطلب منه أن يصفق للنتيجة من دون أن يرى كشف الحساب.
بعد ربع قرن، المطلوب ليس مزيداً من التهاني. المطلوب نشر ميزانيات المجلس، وتفاصيل إنفاقه، وشبكة المستفيدين من برامجه، وسياساته تجاه أسر المعتقلين، وطبيعة اتصالاته بزوجاتهم وعائلات الشهداء، والإجابة بصورة صريحة عن الاتهامات المتعلقة بطلب الانفصال أو تغيير الوضع الأسري للحصول على الإسكان والخدمات.
عندها فقط يمكن معرفة ما إذا كان المجلس الأعلى للمرأة قد عمل طوال خمسة وعشرين عاماً على تمكين المرأة البحرانية، أم تمكين سبيكة وشبكتها داخل الدولة؛ وعلى حماية الأسرة البحرانية، أم إعادة هندسة بعض الأسر التي وضعتها السياسة أمام السجن والحاجة؛ وعلى بناء مؤسسة وطنية، أم بناء واحدة من واجهات النفوذ والولاء داخل دولة ما زالت العائلة فيها أكبر من المؤسسة.
اقرأ أيضا
- 2026-08-24"المرتدين" .. أدوات السلطة لضرب التشيع من بوابة الأوقاف
- 2026-08-23سلطة البحرين تواصل معاقبة الأطفال سياسيًا
- 2026-08-21حين يحاكم الملف الأمني التاريخ.. شاهد ملثّم في مواجهة مجتمع أقدم من الدولة
- 2026-08-21الموسوي يغادر فراديسه.. ماذا قال في الطبعة الأخيرة؟!
- 2026-08-21محاكم البحرين تُشفق على مُهرّبي الكوكايين وتقسو على أصحاب العمائم!