74.7 مليار دولار من الديون.. إلى أين يقود المسار المالي البحرين؟

2026-08-17 - 9:00 م

مرآة البحرين: بينما تتغنّى السلطة في البحرين بمشاريعها الاقتصادية وبرنامج التوازن المالي والإصلاحات، تتحدّث أرقام المؤسسات المالية الدولية عن كارثة حقيقية تعيشها البحرين.

بحسب "بنك أوف أمريكا"، البحرين بحاجة لدعم خليجي مستمر وإصلاحات مالية كبيرة، لتجنّب ضغوط مالية متزايدة بعد الحرب الأمريكية "الإسرائيلية" على إيران، إذ تجاوز الدين العام 150% من الناتج المحلي الإجمالي.

وأكد البنك في تقرير اقتصادي نشره "موقع إنفستيج دوت كوم" أن الدين الحكومي في البحرين بلغ نحو 74.7 مليار دولار، أو حوالي 152% من الناتج المحلي الإجمالي خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بمبلغ 14.3 مليار دولار وبنسبة 43.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2013، فيما وصل الدين الخارجي إلى 44.3 مليار دولار، أي ما يعادل 90.6% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ الاقتراض المحلي 30.4 مليار دولار وبنسبة 62.3% من النّاتج المحلي الإجمالي.

البنك رجّح أن تدعم الدول الخليجية البحرين خلال الحرب لمنع امتداد الأزمة الماليّة إلى المنطقة، إذ أعلنت الإمارات في أبريل/نيسان عن اتفاقية مقايضة عملات مع مصرف البحرين المركزي لمدّة خمس سنوات بقيمة 5.3 مليار دولار، إلا أن هذه الاتفاقية لم تُفعّل حتى أوائل يوليو/ تموز، مشيرًا الى أن البحرين تواجه جدول سداد مزدحم بين عامي 2029 - 2034 مع حلول مواعيد استحقاق القروض المشتركة، وتمثّل السندات الدولية حوالي 63% من الناتج المحلي الإجمالي ونسبة 70% من الدين الخارجي، مما يجعل حاملي السندات عرضة للخطر في حال استدعت الحاجة إعادة هيكلة مستقبليّة.

التقرير تحدّث كذلك عن أن تطوّرات الدين والاحتياطيات أشارت إلى أن البحرين تدخل مرحلة تحتاج فيها إلى موازنة دقيقة بين احتياجات التمويل والحفاظ على الاستقرار المالي، ليظلّ الدّعم الخليجي عاملًا مهمًا في تقليل مخاطر التّمويل، لكن استمرار الاعتماد عليه دون إصلاحات ماليّة وهيكليّة قد لا يكون حلًا مستدامًا على المدى الطويل، حيث تبرز الحاجة إلى تحسين كفاءة الإنفاق وزيادة الإيرادات وتنويع مصادر التمويل، بما يساعد البحرين على تخفيف أعباء الدين وتعزيز قدرتها لمواجهة الصّدمات الخارجيّة.

من يدفع ثمن هذا المسار الاقتصادي؟

السؤال الذي لا تُجيب عنه هذه الأرقام هو: من أوصل البحرين إلى هذه النقطة؟ ومن يدفع ثمن هذا المسار الاقتصادي؟ فالدين العام ليس رقمًا مُعلّقًا في تقارير المؤسسات المالية، ولا مشكلة تخص وزارة المالية وحدها. حين يصل الدين إلى 152% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن آثاره تمتدّ في النهاية إلى حياة المواطنين، وإلى مستوى الخدمات، وكلفة المعيشة، والضرائب والرسوم، وفرص العمل، وقدرة الدولة على الإنفاق على القطاعات الأساسية. وكلّما ارتفعت كلفة خدمة الدين، ضاقت المساحة المتاحة أمام الدولة للإنفاق على المواطن.

وهنا تقع المسؤولية السياسية والاقتصادية على السلطة التي اختارت هذا المسار وأدارت موارد البلاد طوال السنوات الماضية.

الرقم الأكثر دلالة ليس فقط أن الدين بلغ 74.7 مليار دولار في 2026، بل أنه كان 14.3 مليار دولار فقط في عام 2013. أي أن البحرين انتقلت خلال نحو 13 عامًا من دين يعادل 43.9% من الناتج المحلي الإجمالي إلى دين يعادل 152%. هذه ليست زيادة هامشية يمكن تفسيرها بتقلّب عابر، بل مسار متراكم يكشف عمق الاختلال في إدارة المالية العامة.

المفارقة أن المواطن البحريني لا يواجه الدين العام بوصفه رقمًا في تقرير اقتصادي فقط. هو يواجهه في تفاصيل حياته اليومية. يواجه ارتفاع كلفة المعيشة، والرسوم، والضرائب، وضغوط السكن، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الحصول على وظيفة مستقرة، فيما تتحدث الدولة في الوقت نفسه عن ضرورة ترشيد الإنفاق وتحمّل الجميع لمسؤولية الوضع المالي.

"تحمل المسؤولية" لا يمكن أن يكون شعارًا باتجاه واحد. إذا كان مطلوبًا من المواطن أن يتحمّل كلفة الأزمة، فمن حقه أن يعرف أيضًا كيف اتخذت الدولة قراراتها المالية، وأين ذهبت الأموال التي اقترضتها، وما هي الأولويات التي أنفقت عليها، وما هي المشاريع التي موّلت بالدين، وما هي الكلفة التي ستدفعها الأجيال المقبلة.

ليس من العدالة أن تتحوّل أخطاء الإدارة والخيارات الاقتصادية للدولة إلى فاتورة يدفعها المواطن من دخله ومدخراته ومستوى معيشته.

المواطن لم يقرر حجم الاقتراض، ولم يضع سياسة الدين العام، ولم يحدد أولويات الإنفاق، ولم يقرر الدخول في التزامات مالية طويلة الأجل. لكنه يجد نفسه اليوم في مواجهة نتائجها: ضرائب ورسوم، وتكاليف أعلى، وخدمات تحت ضغط التقشف، ومستقبل اقتصادي أكثر صعوبة.