» رأي
مشروع السلطة في البحرين: ترويض العقيدة الحسينية نهائيًا
لطيفة الحسيني - 2026-08-11 - 4:52 ص
مرآة البحرين: ما يجري في السنوات الأخيرة، وتكثّف أكثر في الأشهر القريبة داخل البحرين يُشير بوضوح الى مشروع كبير يرمي أولًا وأخيرًا إلى اجتثاث مفاهيم العقيدة الشيعية الإثني عشرية الولائية.
تخوض سلطة آل خليفة مع شيعة بلدها معركة حقيقية على المعنى الذي يحملونه في عقائدهم الدينية ووعيهم، وعلى العلاقة بين العقيدة والسلوك، وبين الإيمان والوقوف في وجه الظلم.
المشكلة بالنسبة إلى أيّ سلطة تخشى الوعي الديني الحيّ، ليست في أن يصلّي الإنسان أو يصوم أو يُقيم مجلسًا أو يرفع رايةً في عاشوراء. المشكلة تبدأ عندما تتحوّل العقيدة إلى ضميرٍ حيّ، وحين لا تبقى كربلاء قصةً تاريخية تُروى، بل تُصبح معيارًا أخلاقيًا يُقاس به الظلم والعدل، والاستعباد والكرامة، والاستفراد والمشاركة، والاحتلال والمقاومة.
ومن هنا يمكن قراءة السياسات التي تنتهجها الدولة في البحرين تجاه البيئة الشيعية، بوصفها محاولةً لإنتاج تديّنٍ منزوع الأثر السياسي والاجتماعي، تديّنٍ يسمح للإنسان بأن يمارس شعائره، ولكن لا يسمح لهذه الشعائر بأن تُنتج موقفًا من الواقع.
الحسين الذي يريدونه..
في العقيدة الشيعية الإثني عشرية الولائية، لا يُختزل الإمام الحسين (ع) في شخصية تاريخية عظيمة تُستعاد ذكراها كل عام. كربلاء منظومة من القيم: رفض الذل، نصرة المظلوم، مقاومة الاستعباد، عدم مبايعة الباطل، والثبات حين يصبح الصمت مشاركةً في الجريمة. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تنتجه كربلاء بالنسبة إلى أيّ نظام استبدادي ليست الدموع التي تُذرف على الحسين (ع)، وإنما الوعي الذي يتشكّل من الإمام (ع).
حين يتعلّم الإنسان من أبي عبد الله (ع) أن الكرامة ليست منحةً من الحاكم، وأن الظلم لا يُصبح حقًا لمجرد أن صاحبه يملك القوة، وأن السكوت عن الباطل ليس دائمًا حيادًا، يُصبح من الصعب إقناعه بأن طاعة السلطة تعني قبول كل ما يصدر عنها، أو أن الاعتراض على الظلم خروجٌ على الدين.
ومن هنا تُصبح معاقبة من يرفع صوته ضدّ الظلم، أو من يتبنّى خطابًا مقاومًا للفساد والاستبداد والاحتلال، جزءًا من معركة أعمق: معركة فصل الإنسان عن الدروس السياسية والأخلاقية التي استخلصها من كربلاء. أن تقول للناس: أحبّوا الحسين، ابكوا الحسين، أقيموا مآتم الحسين، ولكن لا تسألوا: لماذا خرج الحسين؟ ولا تسألوا عن الظلم الذي خرج ضده، هو في النهاية محاولة لصناعة كربلاء بلا رسالة.
إسلامٌ محصور في الطقوس
وفي مسارٍ آخر، يظهر الدفع نحو تقديم الدين بوصفه شأنًا خاصًا، مُنفصلًا عن الحياة اليومية وعن القيم التي يُفترض أن تحكم علاقة الإنسان بالسلطة والمجتمع.
وهنا يأتي دور بعض الأصوات والشخصيات المحسوبة على البيئة الشيعية، التي تُقدّم خطابًا يهوّن من حضور الدين في المجال العام، ويصوّر الالتزام بالمبادئ الإسلامية وكأنه شأنٌ فرديّ لا ينبغي أن تكون له انعكاسات على موقف الإنسان من الظلم أو الفساد أو الاستبداد.
الخطر يكمن في استخدام شعار "فصل الدين عن الحياة" لإفراغ الدين من قيمه الأخلاقية والاجتماعية، وتحويل الإسلام إلى مجموعة عبادات شخصية لا علاقة لها بالعدل والكرامة والأمانة ورفض الاستبداد.
الإسلام المحمدي الأصيل لم يكن دينًا داخل المسجد فقط. والقرآن لم يجعل العدل شأنًا خاصًا، ولم يجعل كرامة الإنسان ملفًا سياسيًا قابلًا للإلغاء، ولم يجعل مقاومة الظلم مسألةً ثانوية. ولهذا فإن محاولة إنتاج بحريني متديّنٍ لا يرى في السياسة إلا شأنًا للسلطة، ولا يرى في المجتمع إلا مجالًا للطاعة، ولا يرى في الدين إلا طقوسًا شخصية، تعني في حقيقتها نزع الروح الاجتماعية والسياسية من التدين.
وهنا تصبح بعض الأصوات الدينية التي تدعو إلى هذا الفصل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءًا من وظيفة سياسية أكبر: إقناع الإنسان بأن بإمكانه أن يكون متديّنًا كاملًا، من دون أن يسأل نفسه عن العدالة والحرية والكرامة ومصير المظلوم.
ضرب الصلة بين البحريني والحسين (ع)
المسألة لا تقف عند حدود الخطاب، فالحضور الحسيني في البحرين ليس مناسبةً موسمية. إنه ذاكرةٌ جماعية، وثقافةٌ اجتماعية، وهويةٌ روحية متجذّرة في حياة الناس. ولذلك فإن التضييق على المآتم والمواكب والشعائر، ومحاولة التحكّم في تفاصيل إحيائها، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تنظيم إداري محايد عندما يتكرر في سياق أوسع من القيود. والأخطر هو محاولة إعادة تعريف العلاقة بين البحريني والحسين (ع). زيارة كربلاء، والتعلّق بأرض الحسين، والسيْر إلى مرقده، ليست بالنسبة إلى المؤمن الشيعي رحلةً سياحية. إنها امتدادٌ لعلاقة روحية وعقائدية عميقة، واستحضار لمعاني التضحية والثبات والوفاء.
وحين يُحاصر هذا التعلّق أو يُنظر إليه بعين الريْبة، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع ليست فقط: "هناك قيود على السفر أو الشعائر"، بل قد تُفهم بوصفها محاولة لإضعاف إحدى أهم القنوات التي تُعيد إنتاج الوعي الحسيني في المجتمع.
كربلاء لا تُستعاد في الكتب وحدها، تُستعاد في الزيارة، وفي المجالس، وفي المواكب، وفي الذاكرة العائلية، وفي التربية التي يتلقّاها الطفل من والديه وأهله ومُحيطه. ولذلك فإن ضرب هذه الصلة لا يستهدف موسمًا أو مناسبةً بعينها، بل يستهدف ذاكرةً دينيةً واجتماعيةً كاملة.
العباءة الزينبية..
حتى المظهر الديني للمرأة البحرينية لم يسلم من محاولات إعادة التأويل. العباءة الزينبية، بما تمثّله من حضور ديني واجتماعي في البيئة البحرينية، ليست مجرد قطعة قماش يمكن اختزال تاريخها في حدث سياسي معاصر. وربطها تلقائيًا بالثورة الإسلامية في إيران، أو تقديمها وكأنها ظاهرة دخيلة على المجتمع البحريني، يتجاهل حقيقة أن أشكال اللباس الديني والمحافظة على الحجاب لها جذور اجتماعية وثقافية عميقة في مجتمعات الخليج والبحرين.
والمشكلة هنا ليست في النقاش حول تطوّر شكل العباءة أو تأثر الأزياء ببعضها بعضًا، فهذا أمر طبيعي في تاريخ المجتمعات. المشكلة في تسييس الزيّ الديني وتحويله إلى علامة اتهام، وكأن المرأة التي تختار هذا الزيّ إنما تعلن انتماءً سياسيًا أو تستورد ثقافةً غريبة عن مجتمعها.
وعليه، اختزال العباءة الزينبية في إيران يُحقّق وظيفة واحدة: فصلها عن جذورها المحلية والدينية، وإعادة تقديمها باعتبارها مُنتجًا سياسيًا حديثًا، بدل النظر إليها بوصفها جزءًا من تطور التدين والاحتشام في المجتمع.
ما هو مسموح للشيعي؟
تتجمّع هذه المسارات عند نقطة واحدة:
* أن يُسمح للشيعي بأن يكون شيعيًا ما دام تشيّعه لا يغيّر شيئًا في حياته العامة.
* أن يُسمح له بأن يبكي الحسين، شرط ألّا يتعلّم من الحسين رفض الذل.
* أن يُسمح له بإقامة المأتم، شرط ألّا يتحوّل المأتم إلى وعي.
* أن يُسمح له بقراءة سيرة كربلاء، شرط ألّا يسأل عن الظلم في زمانه.
* أن يُسمح له بحمل اسم الحسين، شرط ألا يحمل قيم الحسين.
وأن يُسمح له بالتديّن، شرط أن يبقى الدين خارج أسئلة السياسة والعدالة والكرامة.
وهذه هي المفارقة الكبرى: يريدون الحسين كشخصية من الماضي، لا كقيمة في الحاضر. ما لا يُدركه أصحاب هذا المشروع أن ما يُراد منه إضعاف العقيدة الحسينية قد يتحوّل إلى عاملٍ في ترسيخها، وأن الضغط على الشعائر لا يؤدي بالضرورة إلى انحسارها، بل قد يجعل الناس أكثر تمسّكًا بها، وأكثر وعيًا بمعانيها، وأكثر إصرارًا على نقلها من جيل إلى جيل. كلّما حاولوا حصر عاشوراء في طقسٍ بلا روح، أعاد الناس اكتشاف جوهرها: الكرامة، والحرية، ورفض الذل، ونصرة المظلوم، والثبات على الحق.
وكلّما حاولوا فصل البحريني عن كربلاء، ازداد تعلّقه بها، لأن العلاقة بالحسين (ع) ليست قرارًا إداريًا، ولا عادةً يمكن إلغاؤها بتعميم، ولا موروثًا يمكن محاصرته بقرار. إنها علاقةٌ تشكّلت في الوجدان عبر أجيال، وتداخلت مع ذاكرة البيوت والمآتم والقرى والقرآن والدعاء والزيارة.
ولهذا فإن كل محاولة لانتزاع الحسين من حياة الناس ستواجه النتيجة المعاكسة: مزيدًا من التمسّك بالحسين، ومزيدًا من الوفاء لعاشوراء، ومزيدًا من الحرص على حفظ قيمها وتوريثها للأبناء.
تخوض سلطة آل خليفة مع شيعة بلدها معركة حقيقية على المعنى الذي يحملونه في عقائدهم الدينية ووعيهم، وعلى العلاقة بين العقيدة والسلوك، وبين الإيمان والوقوف في وجه الظلم.
المشكلة بالنسبة إلى أيّ سلطة تخشى الوعي الديني الحيّ، ليست في أن يصلّي الإنسان أو يصوم أو يُقيم مجلسًا أو يرفع رايةً في عاشوراء. المشكلة تبدأ عندما تتحوّل العقيدة إلى ضميرٍ حيّ، وحين لا تبقى كربلاء قصةً تاريخية تُروى، بل تُصبح معيارًا أخلاقيًا يُقاس به الظلم والعدل، والاستعباد والكرامة، والاستفراد والمشاركة، والاحتلال والمقاومة.
ومن هنا يمكن قراءة السياسات التي تنتهجها الدولة في البحرين تجاه البيئة الشيعية، بوصفها محاولةً لإنتاج تديّنٍ منزوع الأثر السياسي والاجتماعي، تديّنٍ يسمح للإنسان بأن يمارس شعائره، ولكن لا يسمح لهذه الشعائر بأن تُنتج موقفًا من الواقع.
الحسين الذي يريدونه..
في العقيدة الشيعية الإثني عشرية الولائية، لا يُختزل الإمام الحسين (ع) في شخصية تاريخية عظيمة تُستعاد ذكراها كل عام. كربلاء منظومة من القيم: رفض الذل، نصرة المظلوم، مقاومة الاستعباد، عدم مبايعة الباطل، والثبات حين يصبح الصمت مشاركةً في الجريمة. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تنتجه كربلاء بالنسبة إلى أيّ نظام استبدادي ليست الدموع التي تُذرف على الحسين (ع)، وإنما الوعي الذي يتشكّل من الإمام (ع).
حين يتعلّم الإنسان من أبي عبد الله (ع) أن الكرامة ليست منحةً من الحاكم، وأن الظلم لا يُصبح حقًا لمجرد أن صاحبه يملك القوة، وأن السكوت عن الباطل ليس دائمًا حيادًا، يُصبح من الصعب إقناعه بأن طاعة السلطة تعني قبول كل ما يصدر عنها، أو أن الاعتراض على الظلم خروجٌ على الدين.
ومن هنا تُصبح معاقبة من يرفع صوته ضدّ الظلم، أو من يتبنّى خطابًا مقاومًا للفساد والاستبداد والاحتلال، جزءًا من معركة أعمق: معركة فصل الإنسان عن الدروس السياسية والأخلاقية التي استخلصها من كربلاء. أن تقول للناس: أحبّوا الحسين، ابكوا الحسين، أقيموا مآتم الحسين، ولكن لا تسألوا: لماذا خرج الحسين؟ ولا تسألوا عن الظلم الذي خرج ضده، هو في النهاية محاولة لصناعة كربلاء بلا رسالة.
إسلامٌ محصور في الطقوس
وفي مسارٍ آخر، يظهر الدفع نحو تقديم الدين بوصفه شأنًا خاصًا، مُنفصلًا عن الحياة اليومية وعن القيم التي يُفترض أن تحكم علاقة الإنسان بالسلطة والمجتمع.
وهنا يأتي دور بعض الأصوات والشخصيات المحسوبة على البيئة الشيعية، التي تُقدّم خطابًا يهوّن من حضور الدين في المجال العام، ويصوّر الالتزام بالمبادئ الإسلامية وكأنه شأنٌ فرديّ لا ينبغي أن تكون له انعكاسات على موقف الإنسان من الظلم أو الفساد أو الاستبداد.
الخطر يكمن في استخدام شعار "فصل الدين عن الحياة" لإفراغ الدين من قيمه الأخلاقية والاجتماعية، وتحويل الإسلام إلى مجموعة عبادات شخصية لا علاقة لها بالعدل والكرامة والأمانة ورفض الاستبداد.
الإسلام المحمدي الأصيل لم يكن دينًا داخل المسجد فقط. والقرآن لم يجعل العدل شأنًا خاصًا، ولم يجعل كرامة الإنسان ملفًا سياسيًا قابلًا للإلغاء، ولم يجعل مقاومة الظلم مسألةً ثانوية. ولهذا فإن محاولة إنتاج بحريني متديّنٍ لا يرى في السياسة إلا شأنًا للسلطة، ولا يرى في المجتمع إلا مجالًا للطاعة، ولا يرى في الدين إلا طقوسًا شخصية، تعني في حقيقتها نزع الروح الاجتماعية والسياسية من التدين.
وهنا تصبح بعض الأصوات الدينية التي تدعو إلى هذا الفصل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءًا من وظيفة سياسية أكبر: إقناع الإنسان بأن بإمكانه أن يكون متديّنًا كاملًا، من دون أن يسأل نفسه عن العدالة والحرية والكرامة ومصير المظلوم.
ضرب الصلة بين البحريني والحسين (ع)
المسألة لا تقف عند حدود الخطاب، فالحضور الحسيني في البحرين ليس مناسبةً موسمية. إنه ذاكرةٌ جماعية، وثقافةٌ اجتماعية، وهويةٌ روحية متجذّرة في حياة الناس. ولذلك فإن التضييق على المآتم والمواكب والشعائر، ومحاولة التحكّم في تفاصيل إحيائها، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تنظيم إداري محايد عندما يتكرر في سياق أوسع من القيود. والأخطر هو محاولة إعادة تعريف العلاقة بين البحريني والحسين (ع). زيارة كربلاء، والتعلّق بأرض الحسين، والسيْر إلى مرقده، ليست بالنسبة إلى المؤمن الشيعي رحلةً سياحية. إنها امتدادٌ لعلاقة روحية وعقائدية عميقة، واستحضار لمعاني التضحية والثبات والوفاء.
وحين يُحاصر هذا التعلّق أو يُنظر إليه بعين الريْبة، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع ليست فقط: "هناك قيود على السفر أو الشعائر"، بل قد تُفهم بوصفها محاولة لإضعاف إحدى أهم القنوات التي تُعيد إنتاج الوعي الحسيني في المجتمع.
كربلاء لا تُستعاد في الكتب وحدها، تُستعاد في الزيارة، وفي المجالس، وفي المواكب، وفي الذاكرة العائلية، وفي التربية التي يتلقّاها الطفل من والديه وأهله ومُحيطه. ولذلك فإن ضرب هذه الصلة لا يستهدف موسمًا أو مناسبةً بعينها، بل يستهدف ذاكرةً دينيةً واجتماعيةً كاملة.
العباءة الزينبية..
حتى المظهر الديني للمرأة البحرينية لم يسلم من محاولات إعادة التأويل. العباءة الزينبية، بما تمثّله من حضور ديني واجتماعي في البيئة البحرينية، ليست مجرد قطعة قماش يمكن اختزال تاريخها في حدث سياسي معاصر. وربطها تلقائيًا بالثورة الإسلامية في إيران، أو تقديمها وكأنها ظاهرة دخيلة على المجتمع البحريني، يتجاهل حقيقة أن أشكال اللباس الديني والمحافظة على الحجاب لها جذور اجتماعية وثقافية عميقة في مجتمعات الخليج والبحرين.
والمشكلة هنا ليست في النقاش حول تطوّر شكل العباءة أو تأثر الأزياء ببعضها بعضًا، فهذا أمر طبيعي في تاريخ المجتمعات. المشكلة في تسييس الزيّ الديني وتحويله إلى علامة اتهام، وكأن المرأة التي تختار هذا الزيّ إنما تعلن انتماءً سياسيًا أو تستورد ثقافةً غريبة عن مجتمعها.
وعليه، اختزال العباءة الزينبية في إيران يُحقّق وظيفة واحدة: فصلها عن جذورها المحلية والدينية، وإعادة تقديمها باعتبارها مُنتجًا سياسيًا حديثًا، بدل النظر إليها بوصفها جزءًا من تطور التدين والاحتشام في المجتمع.
ما هو مسموح للشيعي؟
تتجمّع هذه المسارات عند نقطة واحدة:
* أن يُسمح للشيعي بأن يكون شيعيًا ما دام تشيّعه لا يغيّر شيئًا في حياته العامة.
* أن يُسمح له بأن يبكي الحسين، شرط ألّا يتعلّم من الحسين رفض الذل.
* أن يُسمح له بإقامة المأتم، شرط ألّا يتحوّل المأتم إلى وعي.
* أن يُسمح له بقراءة سيرة كربلاء، شرط ألّا يسأل عن الظلم في زمانه.
* أن يُسمح له بحمل اسم الحسين، شرط ألا يحمل قيم الحسين.
وأن يُسمح له بالتديّن، شرط أن يبقى الدين خارج أسئلة السياسة والعدالة والكرامة.
وهذه هي المفارقة الكبرى: يريدون الحسين كشخصية من الماضي، لا كقيمة في الحاضر. ما لا يُدركه أصحاب هذا المشروع أن ما يُراد منه إضعاف العقيدة الحسينية قد يتحوّل إلى عاملٍ في ترسيخها، وأن الضغط على الشعائر لا يؤدي بالضرورة إلى انحسارها، بل قد يجعل الناس أكثر تمسّكًا بها، وأكثر وعيًا بمعانيها، وأكثر إصرارًا على نقلها من جيل إلى جيل. كلّما حاولوا حصر عاشوراء في طقسٍ بلا روح، أعاد الناس اكتشاف جوهرها: الكرامة، والحرية، ورفض الذل، ونصرة المظلوم، والثبات على الحق.
وكلّما حاولوا فصل البحريني عن كربلاء، ازداد تعلّقه بها، لأن العلاقة بالحسين (ع) ليست قرارًا إداريًا، ولا عادةً يمكن إلغاؤها بتعميم، ولا موروثًا يمكن محاصرته بقرار. إنها علاقةٌ تشكّلت في الوجدان عبر أجيال، وتداخلت مع ذاكرة البيوت والمآتم والقرى والقرآن والدعاء والزيارة.
ولهذا فإن كل محاولة لانتزاع الحسين من حياة الناس ستواجه النتيجة المعاكسة: مزيدًا من التمسّك بالحسين، ومزيدًا من الوفاء لعاشوراء، ومزيدًا من الحرص على حفظ قيمها وتوريثها للأبناء.