»

السفر إلى العتبات المقدسة.. قيود متزايدة ومنع مستمر

2026-07-31 - 6:53 ص

"تمخّض الجبل فولد فأرًا"، هذا هو حال السلطات في البحرين، ولاسيّما هيئة البحرين للسياحة والمعارض. فبعد كلّ التضييق والاضطهاد الطائفي التي يتعرّض له الموالون لأهل البيت (ع) في البحرين، والتي تكلّل بحظر السفر إلى العتبات المقدسة، قرّرت السلطة وهيئاتها السماح للبحرينيين بالسفر بشروط صارمة ومحددة.

هيئة البحرين للسياحة والمعارض أعلنت الشروط التي سمّتها "اجراءات تنظيمية تخصّ سفر من يرغب من المواطنين إلى العراق لزيارة الأربعين".

ووفق الإجراءات، فإن السفر يكون من خلال مكاتب السفر والسياحة المرخصة لهذه الحملات، وذلك عبر الرحلات المعتمدة من مطار البحرين الدولي فقط، مع حظر السفر برًا، على أن تقدم هذه المكاتب طلبها والمستندات اللازمة إلى الهيئة.

البارز هو شرط السماح بسفر البحرينيين التي لا تقل أعمارهم عن 50 عامًا، وأن تكون العودة إلى البلاد، قبل تاريخ 15 أغسطس/آب 2026.

كذلك حمّلت الهيئة، رئيس مكتب السفر، كامل المسؤولية عن جميع شؤون الرحلة، بما في ذلك الالتزام بالإجراءات التنظيمية والأمنية، وضمان التقيد بجميع التعليمات الصادرة، على أن يقوم بتزويد الجهات المختصة بقوائم الراغبين بالسفر والمستندات المطلوبة قبل مدة كافية من السفر، والحصول على التصاريح والموافقات اللازمة لجميع الراغبين بالسفر معه.

أما وزير الداخلية فقد أكد لدى لقاءه رؤساء الصحف المحلية يوم أمس الخميس أن قرار منع السفر إلى إيران والعراق جاء في "إطار وقائي"، زاعمًا بأنه "يهدف إلى حماية المواطنين والشباب خصوصا، ومنع توظيف السفر في أغراض التدريب أو التمويل أو التعبئة أو التواصل مع جهات معادية".

انتظر البحرينيون كثيرًا ليسمعوا خبر فكّ الحظر، لكنهم صُدموا عندما علِموا بهذه الشروط. ماذا تُفسّر وكيف يمكن أن تشفي صدور كلّ البحرينيين المتشوّقين لأرض كربلاء المقدسة؟

كثيرةٌ هي الملاحظات التي تُسجّل إزاء هذه الإجراءات المتخذة، والتي يمكن إجازها بالتالي:

* كيف تدّعي هيئة السياحة في بيانها وجود تحديات أمنية وظروف غير مستقرّة، ثمّ تناقض نفسها وتسمح بسفر المواطنين؟ أليس هذا إقرار باستمرار وجود الخطر؟ تعترف بالخطر ثمّ تتجاهله وفق منطقها! فاذا كان صحيحًا أليس عليها أن تحظر السفر نهائيًا مثلًا؟

* لماذا يشمل القرار من هم بعمر الخمسين وأكثر، ولا يشمل فئة الشباب؟ هل تعبّر بذلك عن خشيتها من المواطنين الشباب وحضورهم ومشاركتهم في الأربعينية، بعد سنوات من التميّز في إحياء الشعيرة الحسينية في أرض كربلاء باعتراف جميع المسلمين والموالين؟

* لماذا يحدّد القرار السفر جوًا ويمنعه برًا؟ ألسنا أمام "تنفيعة" جديدة لشركة طيران الخليج الفاشلة؟

* أكثر من 15 عامًا مضت على حراك 2011 ولايزال العقل الأمني مصرًا على تشويه أهداف الشعب ومطالبه المحقة، عبر نسبها إلى إيران، وبدلًا من النزول لمطالب الناس يوغل أكثر في إجراءاته الطائفية طاعنًا في وطنية عشرات آلاف الزوار البحرينيين للعتبات المقدسة.

ما أُعلن ليس سماحًا بعودة السفر إلى العتبات المقدّسة، بل تقييدًا جديدًا يثبت كلّ ما قيل في الفترة الماضية، فالسلطة لم تتراجع عن قرارها، بل أعادت إنتاجه بصيغة مُختلفة، صيغة تُبقي السيطرة الأمنية قائمة، وتجعل حقّ المواطنين في التنقّل وأداء شعائرهم الدينية مرهونًا بسلسلة طويلة من الشروط والموافقات والتصاريح. وكأنّ الأصل هو المنع، والاستثناء هو السماح، بينما يفترض أن يكون العكس تمامًا.

بهذه الطريقة تحوّل السلطة زيارة الأربعين إلى ملفّ أمني، وتُخضعه لحسابات العُمر غير المفهوم، وآلية السفر، وقوائم الأسماء، والموافقات المُسبقة، ما يكشف بوضوح أن القضية لا تتعلق بحماية المواطنين كما يُروّج، بل بإبقاء هذه الشعيرة تحت الرقابة المشددة.

ولا يقلّ خطورة عن ذلك تحميل مكاتب السفر ورؤساء الحملات مسؤوليات أمنية وإدارية تتجاوز طبيعة عملهم السياحي، الأمر الذي يحوّل هذه المكاتب إلى حلقة إضافية في منظومة الرقابة على المواطنين. فبدل أن يكون دورها تنظيم الرحلات وتقديم الخدمات، أصبحت مطالبة بجمع البيانات، ورفع القوائم، وانتظار الموافقات، وتحمل المسؤولية الكاملة عن التزام المشاركين بالتعليمات، بما يعكس تغليب المقاربة الأمنية على أيّ اعتبار آخر.

أما حصر السفر بمن تجاوزوا الخمسين عامًا فيطرح تساؤلات جدية حول الأساس الذي استند إليه هذا الشرط. فإذا كانت المسألة مرتبطة بالسلامة العامة، فما المعيار الذي يجعل الخطر يزول عند سن الخمسين ويبقى قائمًا لمن هم دون ذلك؟ وإذا لم يكن هناك تفسير موضوعي، فإن القرار يبدو أقرب إلى تصنيف المواطنين وفق اعتبارات غير عادلة، ويؤدي عمليًا إلى حرمان شريحة واسعة من الشباب من ممارسة شعيرة دينية ينتظرونها منذ سنوات. لسان حال كلّ من سمع بالقرار في البحرين منذ ليل الثلاثاء - الأربعاء: "ودنا نزور". لكن أين الدولة؟ هل تسمع هؤلاء؟