المآتم تقول كلمتها: شعائرنا لا تخضع لوصاية ولا تقبل التفاوض!

2026-07-12 - 6:01 ص

مرآة البحرين: لم تعد محظورات وتعاميم إدارة الأوقاف الجعفرية في البحرين تنطلي على أيّ شيعي في البلد. هي بالأساس لم تكن كذلك، وأثبتت مع الوقت أن لا شيء يصدر من قبلها يصبّ في صالح رعايا الطائفة، بل في مصلحة الحُكم وحده.

قبيل عاشوراء، كُثرت التحذيرات من جانب الدولة في سياق الحرب على الطائفة الشيعية، وتركّزت بشكل خاص على الإحياء الحسيني في شهر محرم. الأداة الحاضرة لتلبية نداءات السلطة كانت الأوقاف الجعفرية التي لم تُحرّك ساكنًا، كما بات متوقعًا ومنتظرًا منها، لتوقيف الهجمة الشرسة على الهوية الشيعية في البلد وكلّ ما يخصّها من شعائر ومؤسسات وعلماء ومنشدين.
الموسم كان ناجحًا رغم كلّ التهديد والوعيد والتوقيفات التي حصلت، والفضل يعود للأهالي أنفسهم بالطيع. لكن القصة لم تنتهِ، بل استكملت الدولة وأجهزتها منطق حصار الشعائر، وذهبت مرة جديدة لتطلب من المآتم عدم الخروج عن طاعتها والالتزام بالضوابط التي فرضتها، كإقامة العزاء داخل الحسينيات وعدم تشغيل السمّاعات الخارجية.

ما الذي جرى؟ سجّلت المآتم موقفًا لافتًا أمام هذا التدخل الفاقع في الإحياء الديني الحسيني، فاعترضت واحتجّت على قرار الجهات الرسمية بمنع خروج المواكب الحسينية في شهادة الإمام زين العابدين (ع) وإغلاق مكبّرات الصوت الخارجية أثناء الخطابة والعزاء.

عددٌ كبير من المآتم قرّر إلغاء فقرة العزاء المعتادة كاحتجاج على قرار منع الدولة لخروج المواكب في الشوارع، وهو تدرج مكشوف يهدف إلى خنق الإحياء وإحكام السيطرة عليه عبر حصر العزاء داخل المباني والصالات. موقفٌ لا يمكن قراءته سوى إعلاء الصوت وبمستوى مرتفع وعلني بوجه السلطة إزاء تدخلاتها بشؤون الطائفة الشيعية وإحياءاتها الحسينية، بعدما بلغت حدًا لا يُطاق.

من جانبها، نفت "الأوقاف الجعفرية" منعها لمواكب العزاء، موضحة أن الإجراء المتخذ يحصر مواكب اللطم بداخل الحسينيات بدلًا من خروجها في الشوارع، وهو إعلان يهدف لرفع الحرج الذي وقعت فيه الإدارة نتيجة إعلان حوالي 50 حسينية عن إلغاء مواكبها العزائية نتيجةً للمنع الرسمي، ما دفع إدارة "الأوقاف" بحسب شبكات إعلامية للإتصال في وقت مبكر بإدارات المآتم لطلب حذف المنشورات.

مساءًا، بثت شبكات إعلامية صورًا لمواكب عزائية ممتدة كسرت المنع في أنحاء البحرين، شارك فيها أبناء القرى والمدن وسارت بمساراتها المعتادة، في تحدٍ مباشر لقرارات الأمن غير المبررة.

التدخل الرسمي متواصل دون توقف. تارةً عبر الأوقاف الجعفرية، وتارةً عبر لقاءات تعقدها أجهزة وفروع وزارة الداخلية، ومنها اجتماع محافظ الشمالية برؤساء مآتم لتأكيد ما يسميه الالتزام بالضوابط لإقامة الشعائر الدينية.

لماذا هذا كلّه؟ الدولة لا تتعامل مع الشعائر الحسينية بوصفها حقًا دينيًا تكفله القوانين والمواثيق الدولية، بل بوصفها ملفًا أمنيًا يُدار بالتعليمات والاستدعاءات. فلا يكاد يحلّ موسم ديني أو مناسبة تخصّ الشيعة، حتى تتحوّل الوزارات والأجهزة الرسمية إلى غرف عمليات هدفها إدارة أدقّ تفاصيل الفعاليات، من مسار المواكب إلى مكبّرات الصوت، ومن أوقات العزاء إلى المشاركين، إضافة لتحديد الأنشطة المسموح بها، ما يجعل الحديث عن التمييز الطائفي قائمًا على وقائع متكرّرة وحقيقية.

ليس من المنطقي أيضًا فصل هذه الإجراءات عن السياق العام الذي تعيشه الطائفة الشيعية في البحرين. فالتضييق على الشعائر يأتي مُتزامنًا مع استهداف رجال الدين، واستمرار القيود على النشاط الديني والاجتماعي.
وعندما تجتمع هذه الوقائع فإنها ترسم صورة لسياسة متكاملة تقوم على إخضاع الشأن الديني الشيعي لرقابة دائمة، بحيث تصبح كلّ مناسبة دينية بحاجة إلى موافقات وضوابط وتحذيرات، في مشهد لا ينسجم مع الخطاب الرسمي الذي يكرّر ادعاء التسامح الديني والتعايش واحترام التعددية.

وعليه، الرسالة التي بعثت بها المآتم من خلال الاعتراض أو إلغاء فقرة العزاء تتجاوز رفض قرارٍ بعينه، إلى التعبير عن حالة استياء تراكمت على مدى سنوات من التدخلات المتواصلة. فالشعائر الحسينية بالنسبة إلى أبناء الطائفة ليست مناسبة موسمية يمكن التفاوض على تفاصيلها كلّ عام، بل جزء من هويتهم الدينية والثقافية والتاريخية. وكلّما أصرّت السلطة على مقاربة هذه الشعائر بمنطق السيطرة والوصاية بدل احترام الحقوق، فإنها لا تعمّق إلا شعور شريحة واسعة من المواطنين بالتمييز والاستهداف، ويجعل الأزمة أبعد من قرار إداري، وأقرب إلى مشكلة ثقة وعدالة ومواطنة متساوية.