من دعم الحراك إلى حماية الرموز.. كيف تطور خطاب السيد الخامنئي حول البحرين؟
عبد الله البحراني - 2026-07-10 - 4:36 ص
مرآة البحرين: في الحادي والعشرين من مارس/آذار 2011، وبعد أيام قليلة من دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين، وصف السيد علي الخامنئي ما يجري بأنه «اعتراض شعب على الظلم»، رافضًا تصويره بوصفه صراعًا طائفيًا. ولم يكن ذلك مجرد تعليق على حدث سياسي عابر، بل كان بداية خطاب أخذ يتطور مع تطور الأزمة نفسها. وخلال سنوات قليلة، انتقل هذا الخطاب من التركيز على دعم الحراك الشعبي إلى إبراز حماية الرموز الدينية، في انعكاس للتحولات التي شهدتها البحرين والمنطقة.
البحرين... عمق تاريخي
لم تكن البحرين يومًا مجرد أرخبيل منعزل، بل شكّلت عبر تاريخها نقطة التقاء حضاري وديني في الخليج. فقد امتد إقليم البحرين القديم من جنوب البصرة إلى عُمان، وكان من أوائل الأقاليم التي دخلها الإسلام، إذ استجابت قبيلة عبد القيس للدعوة الإسلامية في وقت مبكر. ومع تعاقب القرون، برزت البحرين مركزًا علميًا وفقهيًا ارتبط بمدرسة أهل البيت، وأسهم علماؤها في الحياة العلمية في المنطقة. ويفسر هذا الإرث التاريخي جانبًا من حضور البحرين في خطاب السيد علي الخامنئي، الذي لم يتناولها بوصفها ساحة للأحداث السياسية فحسب، بل استحضر أيضًا مكانتها الدينية والتاريخية في الوجدان الشيعي والإقليمي.
مرحلة دعم الحراك ونفي الطائفية (2011-2015)
تتبع خطابات السيد علي الخامنئي حول البحرين يكشف عن تطور منهجي في صياغة الموقف الإيراني، يتأثر بالتحولات الميدانية والإقليمية. فمع بدء الحراك الشعبي في البحرين في فبراير 2011، اتسم خطاب الخامنئي بالتركيز على دعم المطالب الشعبية ونفي أي صبغة طائفية للحراك. ففي خطابه المذكور في مارس 2011، شدد على أن "قضية البحرين ليست حرباً بين الشيعة والسنة، بل هي اعتراض شعب على الظلم".
جاء اختيار هذه اللغة لعدة اعتبارات؛ فداخلياً، استهدف توحيد الجبهة الإيرانية حول دعم "الشعوب المظلومة"، وتأكيد مبادئ الثورة الإيرانية في نصرة المستضعفين. أما خارجياً، فقد سعى لدحض السردية الخليجية التي صورت الحراك كصراع طائفي مدعوم إيرانياً، وتقديم إيران كداعم للحقوق المشروعة للشعوب، وليس كطرف محرض على الفتنة الطائفية. وإقليمياً، انتقل الخطاب ليربط حراك البحرين بالثورات العربية الأخرى في تونس ومصر وليبيا واليمن، لإضفاء الشرعية عليه وتأكيد طبيعته الشعبية، حيث صرح في إحدى خطاباته: "يقولون إن قضية البحرين هي حرب بين الشيعة والسنّة. أيّ حربٍ بين الشيعة والسنّة؟ إنّه اعتراض شعبٍ على الظلم الذي يتعرّض له؛ تماماً مثلما جرى في تونس وفي مصر وفي ليبيا، وكذلك في اليمن، فلا فرق بينها."
مرحلة إدانة التدخل الخارجي والدفاع عن الرموز (2016 وما بعدها)
شهد عام 2016 تصعيداً في الموقف الإيراني، خاصة بعد سحب الجنسية من الشيخ عيسى قاسم، الرمز الديني الأبرز للمعارضة البحرينية. ففي خطاب له بتاريخ 25 يونيو 2016، وجه الخامنئي انتقادات حادة للسلطات البحرينية والتدخل السعودي، محذراً من "عواقب وخيمة" لهذه الإجراءات. انتقل الخطاب من التركيز العام على دعم الحراك إلى التركيز على حماية الرموز الدينية، مما عكس تزايد القلق الإيراني من تداعيات قمع المعارضة على الاستقرار الإقليمي، وتأكيد النفوذ الإيراني عبر إظهار القدرة على التأثير في الأحداث الإقليمية، وحماية حلفائها أو من تعتبرهم جزءاً من محور المقاومة.
وقد قال الخامنئي في هذا السياق: "لا يدركون أن الاعتداء على الشيخ عيسى قاسم يعني رفع المانع من أمام الشباب البحريني المتحمس." كما عكس الخطاب رسالة ردع وتحذير ضمني من أن المساس بالرموز الدينية قد يؤدي إلى ردود فعل غير متوقعة.
ولم يقتصر خطاب السيد علي الخامنئي تجاه البحرين على قراءة التطورات السياسية أو إبداء المواقف منها، بل حمل أيضًا بعدًا دينيًا وأخلاقيًا واضحًا. ففي أكثر من مناسبة، أشاد بأهل البحرين، واصفًا إياهم بالإيمان والصبر والثبات، كما خصّ الشباب البحريني بعبارات تقدير، معتبرًا أنهم يجسدون روح الوعي والاستقامة. ويعكس هذا البعد طبيعة الخطاب الذي جمع بين المرجعية الدينية والقراءة السياسية، بما ينسجم مع موقعه بوصفه مرجعًا دينيًا إلى جانب كونه قائدًا سياسيًا.
دلالات الخطاب وأثره السياسي والإعلامي
يمكن تحليل خطاب السيد علي الخامنئي حول البحرين من خلال الرسائل المتعددة التي حملها. فداخليًا، كرّس الخطاب مبدأ نصرة المستضعفين وشرعية المطالب الشعبية، وعزّز الروابط العقائدية والسياسية مع حلفاء إيران. أما خارجيًا، فسعى إلى دحض الاتهامات التي صورت الموقف الإيراني بوصفه تدخلًا طائفيًا، مقدّمًا إيران باعتبارها داعمًا للحقوق السياسية، ومنتقدًا ما رآه ازدواجية في المعايير الدولية، ومحذرًا من تداعيات التدخلات العسكرية وتجاوز الخطوط الحمراء.
كما أولى الخطاب اهتمامًا واضحًا بالبعد الإعلامي، منتقدًا ما اعتبره محاولات لعزل القضية البحرينية وإعادة تقديمها بوصفها صراعًا مذهبيًا، بدلًا من كونها قضية حقوق سياسية، وهو ما ظهر بوضوح في حديثه عن دور وسائل الإعلام في إعادة تشكيل صورة الأزمة أمام الرأي العام الإقليمي والدولي.
وحافظ خطاب الخامنئي على حضور القضية البحرينية في الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني، ووفّر غطاءً معنويًا للحراك الشعبي. كما أسهم في بناء سردية مغايرة للرواية الرسمية السائدة في عدد من دول الخليج، الأمر الذي انعكس على مستوى التوتر السياسي والإعلامي بين طهران وبعض العواصم الخليجية. وفي الوقت نفسه، رسّخ حضور إيران بوصفها أحد الفاعلين المؤثرين في النقاش الإقليمي المتعلق بالملف البحريني.
مرآة للتحولات الإقليمية
تكشف قراءة تطور خطاب السيد علي الخامنئي حول البحرين أن الخطاب لم يكن ثابتًا، بل أعاد صياغة أولوياته مع كل تحول سياسي شهدته الأزمة. فمن التركيز على شرعية الحراك في بداياته، إلى إبراز حماية الرموز الدينية لاحقًا، ظل الخطاب مرآة للتغيرات الإقليمية بقدر ما كان محاولة للتأثير فيها. وجاء هذا الخطاب في سياق تصاعد التوتر الإقليمي، إلا أنه يعكس فهماً عميقاً للتاريخ المشترك وديناميكيات القوة في المنطقة.
تجدر الإشارة إلى أن الحضور العلني لهذا الخطاب أصبح أقل بروزًا خلال السنوات الأخيرة، في سياق تحولات إقليمية ودولية أعادت تشكيل أولويات الخطاب السياسي والإعلامي. ومع تعدد الملفات الإقليمية الكبرى التي استحوذت على جانب واسع من الاهتمام، تراجع الحضور العلني للملف البحريني نسبيًا، من دون أن يعني ذلك تحولًا في المواقف أو الرؤى المرتبطة به.
وقد لقي هذا الخطاب صدىً لدى قطاعات من الجمهور البحريني المؤيد للمعارضة، التي رأت فيه دعمًا سياسيًا ومعنويًا لمطالبها، في حين قوبل برفض وانتقاد من أطراف أخرى اعتبرته تدخلًا في الشأن البحريني.
ويبقى تقييم هذا الخطاب محل تباين بين الفاعلين الإقليميين والباحثين، إلا أنه شكّل أحد أبرز عناصر الجدل السياسي والإعلامي حول البحرين خلال العقد الماضي.
المصادر والمراجع:
- الموقع الرسمي لمكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي، كلمة الإمام الخامنئي في الروضة الرضوية المطهرة، 21 مارس 2011.
- الموقع الرسمي لمكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي، كلمة الإمام الخامنئي في ذكرى رحيل الإمام الخميني، 4 يونيو 2011.
- الموقع الرسمي لمكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي، كلمة الإمام الخامنئي حول عواقب الاعتداء على الشيخ عيسى قاسم، 25 يونيو 2016.
- عبد الخالق الجنبي، تاريخ التشيع لأهل البيت في إقليم البحرين القديم، دار المحجة البيضا، الطبعة الثانية 2015.
- مركز الجزيرة للدراسات، تقارير حول الدور الإيراني في أحداث البحرين (2011-2017).
- صحيفة الوسط البحرينية، أرشيف التقارير حول الحواضر العلمية والتاريخ الاجتماعي للبحرين.