عاشوراء البحرين ومحاولات التقييد المستمرة
2026-06-17 - 3:53 ص
مرآة البحرين: يبدو أن السلطة في البحرين لم تشبع من استدعاء رؤساء المآتم وإبلاغهم محاذير وزارة الداخلية لـ"محرّماتها الخاصة" في شهر محرم وعاشوراء، حتى شرعت في الاتصال لمجموعة من الخطباء والرواديد الحسينيين وإبلاغهم بمنع مشاركتهم في الموسم، ومن دون أي مبرر أو سند قانوني فضلًا عن الشرعي. إجراءاتٌ تلو اجراءات، قراراتٌ تلو قرارات، اضطهادٌ يعقبه اضطهاد، كلّ هذا لم يُقنع الدولة بعد، فهي تهدف الى المزيد من السيطرة والتحكّم بكلّ تفصيل مُرتبط بالمناسبة السنوية.
ما نُقل عن الاجتماع السنوي الذي عقدته الإدارة العامة للشؤون الجعفرية مع رؤساء المآتم والحسينيات، تضمّن مجموعة من التوجهيات الصارمة التي تريد السلطة فرضها على إحياء العزاء الحسيني الذي اعتداه البحرينيون على طريقتهم ووفق رؤيتهم وفهمهم لثورة سيد الأحرار (ع).
التعليمات تضمّنت وفق ما ذكر الإعلام المحلي:
- إنهاء جميع المواكب العزائية بحلول الساعة الثانية عشرة ليلًا، أُعلن بعدها تمديد وقت مواكب العاصمة حتى الساعة الثانية فجرًا،
- عدم السماح بخروج مواكب عزائية خارج إطار المآتم كالمواكب التي تنطلق من المساجد مثلًا،
- عدم "تسييس" بعض المواكب، وتحميل المسؤولية لرئيس المأتم،
- الالتزام بتركيب اليافطات في محيط المآتم فقط وعدم تركيب أي يافطات في الشوارع الرئيسية،
- تركيب لافتات السواد مقرونًا باسم المأتم في كل يافطة،
- تحميل رئيس المأتم مسؤولية تركيب أي يافطة تتضمن عبارات سياسية.
السلطة برّرت هذه "الضوابط" بأنها تأتي "للمحافظة على روحانية الموسم وخصوصيته الدينية، وتوفير جميع متطلّبات الأمن والسلامة وانسيابية الحركة خلال أيام المناسبة".
المسألة تتجاوز بكثير عناوين التنظيم والسلامة التي ترفعها السلطة. القاسم المشترك بين معظم هذه القرارات هو إحكام الرقابة على الإحياء العاشورائي وحصره ضمن حدود مرسومة سلفًا من قبل الدولة، بحيث لا يبقى أيّ هامش مستقلّ للمآتم أو المواكب أو المشاركين في إحياء المناسبة.
السلطة لا تريد فقط تنظيم الموسم، بل تريد التحكّم الكامل به. تريد معرفة من ينظّم، ومن يشارك، ومن يرفع اللافتات، وماذا يُكتب عليها، وأين تُعلّق، ومتى تبدأ المواكب ومتى تنتهي. حتى الشعارات والعبارات المرفوعة لم تعد بمنأى عن عين الرقيب الذي يراقب كلّ كلمة وكلّ مضمون بحثًا عمّا يمكن تصنيفه سياسيًا أو مرتبطًا بقضايا المظلومية والاعتراض.
وهنا تحديدًا يكمن جوهر المشكلة. عاشوراء ليست مجرد طقوس شكلية تُختزل في السواد والمواكب واللطميات. عاشوراء في وجدان أتباع أهل البيت (ع) هي قضية حقّ في مواجهة الباطل، ومظلومية في مواجهة الظلم، وثورة في وجه الاستبداد. لذلك يُفسّر الإصرار الرسمي على منع أيّ مضمون "سياسي"، محاولةً لإفراغ المناسبة من بعدها الرسالي والإنساني، وحصرها في إطار شعائري ضيّق لا يزعج السلطة ولا يذكّر الناس بالمعاني التي حملها الإمام الحسين (ع) في نهضته.
وعليه، القرارات الأخيرة، مقرونةً بحملة الاعتقالات التي طالت عشرات العلماء ورجال الدين الشيعة، تنسف عمليًا الذريعة التي دأبت السلطة على ترديدها بشأن ارتباط إجراءاتها بولاية الفقيه أو بإيران، فحين يصبح الاستهداف شاملًا للمآتم والخطباء والعلماء والشعائر واللافتات والمواكب والرواديد، فإن الصورة تبدو أكثر وضوحًا: ليست المشكلة في الانتماءات السياسية التي تتذرّع بها الدولة، بل في المذهب نفسه ومظاهره الدينية والاجتماعية. ولذلك يزداد الاقتناع بأن ما يجري هو محاولة لتطويق عاشوراء وإخضاعها وإعادة تشكيلها بما يتوافق مع رؤية السلطة، لا مواجهة تهديدات سياسية كما يُروَّج رسميًا.
في النتيجة، ما يجري لا يهدف فقط إلى التنظيم أو الحفاظ على الأمن. فالتنظيم لا يستوجب هذا القدر من التدخّل في المضمون والرسائل والشعارات، ولا يبرّر السعي الدائم إلى عزل عاشوراء عن أيّ حديث يتناول المظلومية أو العدالة أو مواجهة الظلم. وما يبدو مطلوبًا في النهاية هو عاشوراء صامتة، لا تتجاوز حدود الطقوس الشكلية، ولا تستحضر من كربلاء إلّا ما لا يحرج السلطة ولا يذكّر الناس بأن الحسين (ع) خرج أصلًا رفضًا للظلم والاستبداد.
- 2026-06-16تكفير الشيعة وطردهم.. فلتخرس سوسن الشاعر وأشباهها!
- 2026-06-14«التنظيم الكذبة».. وقائع جديدة ومعلومات خاصة عمّا يحدث مع العلماء المعتقلين في البحرين
- 2026-06-12حكومة البحرين : كل شيعي مدان
- 2026-06-11انتزاع الولاء.. ماذا يقول علم الاجتماع السياسي؟
- 2026-06-10راشد وتهديداته السنوية.. عاشوراء خالية من الحسين نفسه!