عشرون عاماً بعد تقرير البندر: ما الذي تغيّر في البحرين؟

عبد الله البحراني - 2026-06-08 - 3:56 ص

مرآة البحرين: عندما نشر صلاح البندر تقريره الشهير عام 2006، لم تكن الصدمة في تفاصيله بقدر ما كانت في الأسئلة التي فجّرها، كاشفاً عن مخطط إقصائي ممنهج لا مجرد شبكات نفوذ. فقد جاء في مرحلة كان كثير من البحرينيين ينظرون فيها إلى المشروع الإصلاحي الذي أطلقه الملك حمد بن عيسى آل خليفة مع ميثاق العمل الوطني عام 2001 باعتباره بدايةً لعقد اجتماعي جديد يفتح المجال أمام مشاركة سياسية أوسع ويؤسس لعلاقة أكثر توازناً بين الدولة والمجتمع. لكن بعد عشرين عاماً، تبدو الصورة مختلفة إلى حد كبير، حيث تأكدت مخاوف التقرير وتحولت إلى واقع ملموس يعكس سياسة عليا تهدف إلى تكريس الحكم المطلق.
فالسؤال الذي طرحه التقرير لم يكن مجرد بحث في شبكات نفوذ، بل في طبيعة المسار السياسي نفسه: هل اتجه الإصلاح نحو توسيع المشاركة السياسية فعلاً، أم نحو إعادة تنظيمها ضمن حدود لا تمس جوهر السلطة؟ ورغم رفض السلطات البحرينية لما ورد في التقرير، فإن الجدل الذي أثاره لم يتوقف، بل أعيد إنتاجه بأشكال مختلفة وأكثر تعقيداً، مما يثبت أن ما ورد في التقرير لم يكن "أخطاء فردية" بل توجهاً استراتيجياً للسلطة.

جذور أقدم من تقرير البندر
لم تبدأ الأسئلة التي أثارها التقرير معه. فإشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع والتمثيل السياسي تمتد إلى ما قبل الألفية، بدءاً من حل المجلس الوطني عام 1975، مروراً بتجربة التسعينيات السياسية، وصولاً إلى ميثاق العمل الوطني عام 2001. ومن هذا السياق، يبدو تقرير البندر محطة ضمن مسار طويل من الجدل حول السلطة والمشاركة والثقة، لا نقطة بدايته، لكنه كشف عن وجود "دولة موازية" وحكومة خفية تدير البلاد بعيداً عن المؤسسات الرسمية، وهي ممارسة لم تنتهِ بل تطورت وتجذرت.

من ميثاق 2001 إلى ما بعد 2011
جاء التقرير بعد سنوات قليلة من الميثاق الذي مثّل لحظة توافق نادرة وأطلق آمالاً بانفتاح سياسي أوسع، لكن تلك الآمال اصطدمت تدريجياً بفجوة متزايدة بين سقف التوقعات وحدود الإصلاح الفعلي، مع تراكم الخلافات حول التمثيل السياسي والصلاحيات الدستورية وتوزيع الفرص. ولم يكن ليتحول التقرير إلى مادة جدل ممتدة لولا أنه لامس أيضاً قضايا الهوية والتمثيل والتركيبة السكانية، بما في ذلك التغيير الديموغرافي الممنهج كأداة لتقويض الغالبية السياسية (بدلاً من مجرد ملف تجنيس سياسي) والتحولات الديموغرافية وانعكاساتهما على التوازنات الانتخابية، وهو ملف ظل حاضراً في النقاش العام حتى اليوم.
ومع اندلاع احتجاجات فبراير 2011، لم يكن الحدث منفصلاً عن هذا المسار، بل امتداداً لأزمة تراكمت عبر سنوات، كشفت أن الأسئلة المؤجلة لم تجد إجابات مستقرة. وقد تمركزت الاحتجاجات في دوار اللؤلؤة، قبل أن تتطور مع دخول قوات درع الجزيرة وإعلان حالة السلامة الوطنية.
في أعقاب ذلك، شُكّلت لجنة تقصي الحقائق برئاسة محمود شريف بسيوني، وقدّم تقريرها تشخيصاً واسعاً لانتهاكات وإخفاقات مؤسسية رافقت الأزمة. ورغم الإجراءات اللاحقة، ظل جوهر الإشكال السياسي قائماً، إذ لم تكن الأزمة مرتبطة بنقص تشريعي أو مؤسسي بقدر ما كانت مرتبطة بغياب توافق سياسي حول حدود المشاركة وآليات الحكم والمساءلة.

ما الذي تغيّر فعلاً؟
تغيّر الكثير، لكن ليس بالاتجاه الذي بشّرت به مرحلة الإصلاح الأولى. فالمجال السياسي أصبح أكثر انكماشاً، وتراجعت أدوار قوى كانت تمثل شرائح اجتماعية واسعة، مقابل إعادة ترتيب المجال العام وفق أولوية الاستقرار. وفي المقابل، تحقق استقرار مؤسسي وأمني واضح، لكن دون توسع موازٍ في المجال السياسي القادر على استيعاب التعدد داخل المجتمع. وهكذا جرى احتواء الأزمة أكثر مما جرى حل أسبابها. ولا تلغي هذه النتيجة ما تحقق من إنجازات نسبية، لكنها تفتح سؤالاً مركزياً حول حدود التنمية كبديل عن المشاركة السياسية.
لا يُقاس الاستقرار بغياب التوتر فقط، بل بوجود قنوات سياسية طبيعية للتعبير والمشاركة. لذلك فإن اختفاء الأزمة من الشارع لا يعني بالضرورة اختفاء أسبابها، بل قد يشير إلى انتقالها إلى مستويات أقل ظهوراً. إن ما تروج له السلطة كـ "استقرار" ليس في الحقيقة سوى "استقرار القمع" أو "هدوء المقابر" الذي يعتمد بشكل أساسي على تجريم العمل السياسي المنظم وحل الجمعيات السياسية الكبرى.
لو كانت القضايا التي أثارها التقرير قد أُغلقت، لتحول إلى وثيقة تاريخية. لكن استمراره يعكس أن النقاش لم يكن حوله كوثيقة، بل حول ما يمثله: أزمة ثقة لم تُحسم، بل أعيد تشكيلها عبر الزمن. ولهذا يبقى السؤال قائماً: كيف يمكن بناء نظام سياسي يشعر فيه المواطن بأن مشاركته ليست شكلية، بل جزء من صناعة القرار؟

ختاما.. بعد عشرين عاماً، لا يبدو السؤال متعلقاً بما إذا كان قد حدث تغيير سياسي، بل بما إذا كان قد تأسس إطار مستقر للعلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمؤسسات تبدلت، والسياقات تغيرت، لكن الجدل حول الثقة والمشاركة وحدود السلطة ما زال مستمراً بأشكال مختلفة. وتبقى دلالة تقرير البندر في أنه يكشف أن بعض الأسئلة السياسية لا تُغلق بمرور الزمن، بل تُعاد صياغتها فقط، لتؤكد أن جوهر الأزمة يكمن في إصرار السلطة على منهجية الإقصاء والهندسة الاجتماعية بدلاً من الشراكة السياسية الحقيقية.