لا تقعوا في فخاخ وزير الداخلية

عباس الجمري - 2026-05-17 - 1:20 م

في سياق السرديات المكررة التي آثر النظام في البحرين إعادة الاعتبار لها ضمن أدوات الضربة الأمنية التي يتم توجيهها الآن للشيعة في البلاد، أعاد الخطاب الرسمي إثارة جانب من تاريخ سماحة العلامة الراحل الشيخ سليمان المدني رحمه الله، ولكن من بوابة جدلية، لا لتمجيد شخصه وعلمه ونتاجه الفكري والمعرفي والفقهي والعقائدي، وإنما لإدانة التيار المعارض عبر استعراض موقفه من حقبة زمنية انتهت، ولا تشبه في الكثير من تفاصيلها ما يجري الآن.

بدأت الإثارة تلك في خطاب ألقاه وزير الداخلية راشد بن عبد الله آل خليفة أمام شخصيات اجتماعية ورؤساء مآتم استدعتهم السلطة يوم 12 مايو الجاري، ونُشرت تفاصيله في الإعلام الرسمي، لتبدأ حملة إعلامية لازالت مستمرة لحد كتابة هذه السطور.

الوزير ضمّن خطابه جملة ملغومة: "رحم الله الشيخ سليمان المدني، الذي كان واضحًا في الموقف، ولكن تم إرهاب من يُصلّون خلفه، ومن هم حوله".

الحملة الموجهة أشادت بحكمة الشيخ المدني وبعدم تسييسه للخطاب الديني، وذلك بغرض إحداث بلبلة في الشارع الشيعي، تزامنًا مع جريمة اعتقال أكثر من أربعين عالم دين شيعي، وسحب جنسية 69 مواطناً معظمهم لا يتعاطون السياسة أصلًا.

كلمة الوزير جاءت لتوحي بالدفاع عن الشيخ المدني ضد العلماء الآخرين، لكنها لم تخلُ من تأليب تيار عريق داخل البيت الشيعي على تيار آخر، في وقت يغيب الشيخ المدني في عليائه -رحمه الله- ولا يمكنه بطبيعة الحال إبداء رأيه في الأحداث الجارية وتفاصيلها، فهو وإن كان يختلف في منهجه السياسي مع بقية العلماء، إلا أن ذلك لا يعني أنه يؤيد اعتقالهم والتنكيل بهم بالصورة القائمة الآن، وهو لم يُسأل ولم يُستفتَ في ذلك ليُستحضر بهذه الكيفية لشرعنة حملة ظالمة تقودها الدولة على العلماء.

الحملة المركّبة متعددة الطبقات، هدفها الأول والأخير إيذاء الشيعة، لكن الأخطر هو الرغبة في إرهاب المجتمع الشيعي الذي اعترف الوزير بأصالته في تاريخ البلد، إلا أنه أضفى شرعية على استباحته بزعم خضوعه لما أسماه "فكر ولاية الفقيه" والحرس الثوري، ومزاعم أخرى ممجوجة.

من هنا، أرغب في التشديد على نقطتين حول زج اسم سماحة الشيخ المدني في سياق الحملة الأمنية:

النقطة الأولى: أننا أمام فخ يستهدف إعادة إنتاج الخلاف بين أبناء المجتمع الواحد، رغم أن العقل السياسي الشيعي في البحرين قد بلغ من النضج ما يؤهله لصد مثل هذه الفتن المفتعلة.

والفخ هنا لكلا الطرفين، سواء تيار الشيخ المدني نفسه، أو التيار الآخر، فالسلطة لا تدّعي وصلاً بليلى حبّاً فيها، ولا رعايةً لمصالحها، وواضح أنها تريد أن تضرب البيت الشيعي ببعضه لتسود هي من بعد ذلك (فرّق تسد)، وأن تستخدم هذا الطرف لإيلام الطرف الآخر، حيث لا مصلحة لتيار الشيخ المدني في هذا الافتعال، ولا المعركة معركته، ولا هو الذي يقودها ليتحمّل تبعاتها اجتماعياً، وهو يعي أن السلطة تريده أن يكون بيدقاً لضرب الأخ أخيه، والجار جاره. أما التيار نفسه فهو متضرر أصلاً منذ 2011 حاله كحال غيره من التيارات الشيعية الأخرى، فالبطالة والتمييز والفقر والتجنيس وغيرها ليست موجّهة للتيار المعارض وحده، ولا تفرّق إن كان الشيعي مدنياً أو جمرياً أو قاسمياً، هذا فضلاً عن تضرر الجناح السياسي للتيار وعزله عن المشهد البرلماني بقرار ممن يدير الغرف المظلمة لصالح تركيبة انتخابية تخدم ما تراه هذه الجهات.

النقطة الثانية: لمن ابتلع الطعم وردد كلام الوزير حول الشيخ المدني، يجدر التأكيد -كما ذكرت- إلى أن الشيخ رحمه الله انتقل إلى جوار ربّه، وليس من الأخلاق استخدامه بهذه الطريقة في أحداث تختلف في تفاصيلها مع أحداث التسعينيات التي كان حاضراً خلالها، وإن كانت تتشابه في بعضها، ولو كان حاضراً بيننا اليوم ربما لكان له رأيٌّ آخر يتناسب مع التعقيدات الموضوعية الموجودة على الساحة، خصوصاً فيما يتعلّق بأصل هذه التداعيات القائمة والحرب على إيران والجهة المعتدية واستخدام الأراضي البحرينية في هكذا حرب، والمؤكد أنّ سماحته كما قلت، وإن كان يختلف في منهجيته السياسية مع العلماء، لكنه من المستبعد أن يرضى بإيقاع الظلم عليهم واستهدافهم، لذا من الإجحاف استحضاره بهذه الطريقة في معركة ظالمة على العلماء لا يمكن أن يؤخذ رأيه فيها لانتقاله إلى الرفيق الأعلى.

البحرين تمر بظرف بالغ الحساسية، وحملات النظام العدوانية لم تتوقف ولم تتضح تداعياتها الكاملة بعد، لذا فالتريث والصمت خير من الانسياق خلف سلطة لا تملك شرف الخصومة، ولا تراعي مخاطر تداعي المجتمع وتفككه.

أما عن الذين وعوا خطورة هذه الفخاخ، فأعتقد بقدرتهم على إفشال النهج الأمني القاسي الذي فعّلت السلطة أدواتها فيه بكل وحشية تجاه مكون رئيسي من مكونات مجتمع البحرين، وأرادت أن يكون البيت الشيعي كلّه حطباً فيه.