إنذارٌ من النيابة العامة.. السلطة تُجرّم الكلمة وتُطلق التحريض
2026-05-10 - 4:47 م
مرآة البحرين: تعيش البحرين هذه الأيام ربّما أدقّ مراحلها وأكثرها حساسية. البلد في حالة طوارئ أمنية أعلنتها السلطة على كلّ من يخالفها وتشكّ في ولائه لشخص الملك. إسقاط جنسيات عشوائية وتوقيفات وملاحقات تستهدف حصرًا مكوّنًا طائفيًا أصيلًا في البلد.
لا تبدو أجهزة الدولة أنها ستوقف هذه الحملة المجنونة والمسعورة. آخر التهديدات صدر عن النيابة العامة في البحرين التي نشرت عبر حسابها الرسمي على "انستغرام" منشورًا يتضمّن الآتي: "كلماتُك على الإنترنت لها عواقب، فالإساءة أو التهديد أو التشهير عبر المنصات الرقمية تُعد جرائم يعاقب عليها القانون.. احترم القيم والمبادئ عند استخدامك للفضاء الإلكتروني".
هي رسالة لم تعد تحمل التأويل أو التجميل. السلطة واضحة في مشروعها الآني، الذي يتدرّج من ملاحقة الآراء السياسية إلى شيطنة بيئة اجتماعية ومذهبية كاملة. ولم يعد الأمر مُقتصرًا على قوانين فضفاضة تُستخدم ضدّ المعارضين أو الناشطين المتبقّين في البلد، بل تطوّر إلى مناخِ تعبئة وتحريض منظّم، تشارك فيه منصّات إعلامية محسوبة على السلطة، وحسابات تتبنّى لغة أقرب إلى خطاب الجماعات التكفيرية منها إلى خطاب دولة يفترض أنّها مسؤولة عن حماية جميع مواطنيها.
الخطير في المشهد ليس فقط كثافة الاستدعاءات والاعتقالات أو التهديد بسحب الجنسيات، بل طبيعة الخطاب الذي رافق هذه المرحلة. فبيان وزارة الداخلية الأخير، وما سبقه من حملات إعلامية، لم يتعامل مع قضية محددة بقدر ما قدّم انطباعًا خطيرًا بأنّ هناك مكوّنًا مذهبيًا بأكمله موضوعًا تحت الشبهة الأمنية والسياسية والعقائدية. وكأنّ الانتماء الديني بات قرينة اتهامٍ بحد ذاته.
ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة كشف أيضًا حجم التماهي بين الخطاب الرسمي والخطابات المتطرفة المنتشرة في بعض المنصات الإلكترونية. لغة التهديد والوعيد، والتعريض بالمعتقدات والشعائر، وفتح الباب للمساس بكرامات الناس ومقدّساتهم، كلّها مؤشرات على انفلاتٍ خطير يجري التغاضي عنه رسميًا، بل ويبدو أنه يحظى بغطاء سياسي وأمني كامل.
ومن المفارقات الصادمة أنّ السلطة التي تتحدث عن "القيم والمبادئ" في استخدام الإنترنت، على ما جاء في منشور النيابة العامة، سمحت خلال الأشهر الماضية بتحويل المنصّات الرقمية إلى ساحات تحريض مذهبي علني، تُمارَس فيها أبشع أشكال الإقصاء والتخوين والتشهير بحقّ شريحة واسعة من البحرينيين. فأيّ قيم هذه التي تُجرّم كلمة مواطن ملّ الحلول الأمنية، لكنها تتسامح مع خطاب الكراهية عندما يكون موجّهًا ضد فئة بعينها؟
البحرين اليوم لا تحتاج إلى المزيد من السجون والملاحقات الإلكترونية، ولا إلى بيانات تُهدّد الناس بكلماتهم وآرائهم، بل تحتاج إلى مراجعة حقيقية لعقيدة أمنية أثبتت خلال السنوات الماضية أنّها عاجزة عن بناء وطن يشعر فيه الجميع بالأمان والانتماء والكرامة.