"الجنسية" وجرد حساب مَلكُ الرفاع
عبد الله البحراني - 2026-05-10 - 2:02 ص
مرآة البحرين: في البحرين، يبدو أن الانتماء للوطن لم يعد حقاً أصيلاً يولد مع الإنسان، بل أصبح ورقة يمنحها الملك لمواطنيه، وله كامل الحق في إلغائها بضغطة زر إذا ما تجاوز أحدهم "السقف المسموح" من التعبير عن الرأي أو المطالبة بالحقوق.
تحولت سياسة سحب الجنسية في عهد حمد بن عيسى إلى إجراء عقابي، يُشهر في وجه المعارضين والنشطاء وكل من يرفض الاصطفاف خلف الرواية الرسمية. إنها ليست مجرد مخالفة قانونية أو انتهاك لحقوق الإنسان، بل مشهد عبثي يكشف الفجوة الهائلة بين وعود الإصلاح التي بشّر بها العهد الجديد، وبين واقع الخوف والإقصاء والتجريد الذي يعيشه البحرينيون.
لم تكن فكرة سحب الجنسية بدعة جديدة، فللنظام البحريني تاريخ طويل في استخدام الإبعاد القسري ضد خصومه السياسيين منذ منتصف القرن العشرين. فقد لجأت السلطات إلى التخلص من رموز هيئة الاتحاد الوطني، عبدالرحمن الباكر وعبدالعزيز الشملان وعبدعلي العليوات، عبر نفيهم وإسقاط جنسياتهم، قبل ترحيلهم إلى منفاهُم في جزيرة سانت هيلانة في 28 ديسمبر/كانون الأول 1956، في واحدة من أقدم صور العقاب السياسي التي استهدفت الحركة الوطنية البحرينية.
لكن في عهد الملك الحالي، شهدت هذه الممارسة تحديثاً تقنياً وقانونياً مذهلاً؛ فبدلاً من الإبعاد الجسدي فقط، أصبح بإمكان الدولة أن تجعل المواطن غريباً في بيته، وعديم الجنسية في وطنه، بمرسوم ملكي أو قرار قضائي يفتقر إلى أدنى معايير النزاهة. فمنذ عام 2012، سُحبت جنسيات المئات من الناشطين والسياسيين، من بينهم نواب سابقون ورجال دين وناشطون حقوقيون، في إجراءات وصفتها المنظمات الدولية بأنها "انتهاك صارخ للقانون الدولي" الذي يحظر جعل الأشخاص عديمي الجنسية.
ولم تكن هذه السياسة وليدة اللحظة، بل هي امتداد لنهج قمعي تجلى بوضوح بعد انتفاضة التسعينات، حيث استُخدمت الجنسية كأداة لترهيب المعارضين وإسكات الأصوات المطالبة بالإصلاح. وتصاعدت وتيرة هذه الانتهاكات بشكل غير مسبوق بعد ثورة 14 فبراير 2011، حيث تحولت عمليات سحب الجنسية إلى حملة ممنهجة استهدفت المئات من المواطنين، ليس فقط بسبب نشاطهم السياسي، بل أحياناً بسبب مجرد التعاطف مع المعارضة، أو حتى بناءً على تهم فضفاضة تتعلق بما يعتبرونه "إرهاب" أو تحت عنوان "الإضرار بأمن الدولة"، دون توفير ضمانات المحاكمة العادلة.
عندما تولى الملك حمد الحكم، قدم نفسه كمصلح، وجاء بـ "ميثاق العمل الوطني" الذي صوت عليه البحرينيون بنسبة 98.4%، حالمين بدولة المؤسسات والقانون والمواطنة المتساوية. ولكن، وبعد مرور عقود، يكتشف البحرينيون أن "الميثاق" لم يكن سوى "طُعم" سياسي لتثبيت أركان الحكم، وأن الوعود بالتحول إلى ملكية دستورية "على غرار الممالك العريقة" قد تبخرت، ليحل محلها حكم فردي مطلق يستخدم "الجنسية" كأداة للابتزاز السياسي. فأين هي المواطنة المتساوية في ظل سياسات التمييز والتفرقة المذهبية الممنهجة التي تهمش مكوناً أصيلاً من مكونات الشعب وتستهدفه في هويته وانتمائه؟
إذا كان لا بدّ من إجراء «جرد حساب» لسنوات الحكم، فإن الحصيلة تبدو ثقيلة على وطن استُهلكت فيه الشعارات حتى فقدت معناها. فوعود الديمقراطية انتهت إلى برلمان محدود الصلاحيات، ووعود العدالة تحولت إلى واقع تتكدّس فيه السجون بالمعتقلين السياسيين، أما وعود المواطنة فلم تنتهِ إلا إلى تجريد المئات من جنسياتهم وكأن الانتماء منحة تُسحب لا حقّاً يُصان.
وعلى مستوى الوحدة الوطنية، شهدت البحرين واحدة من أكثر مراحلها انقساماً، حيث ترسّخت سياسات التمييز والتصنيف بين «موالٍ» تُفتح له أبواب الامتيازات، و«معارض» يُدفع نحو السجن أو النفي أو الإقصاء. أما «الأمن الوطني»، فقد جرى اختزاله في حماية النظام لا حماية الوطن، حتى أصبح مجرد انتقاد السلطة أو المطالبة بحق معيشي كافياً لوضع المواطن في دائرة الاتهام.
إن شخصية الملك في تعامله مع المواطنين تتسم بـ "انفصام" واضح بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن "التسامح والتعايش"، وواقع سياسي يقوم على الإقصاء والتهميش وإعادة هندسة المجتمع وفق منطق الولاء. فكيف يمكن إقناع البحرينيين بشعارات التعايش، بينما يُجرَّد المواطن الأصيل من حقه في الانتماء لوطنه بسبب رأيه السياسي، في الوقت الذي تُفتح فيه أبواب التجنيس السياسي على مصراعيها لإعادة تشكيل التركيبة الديموغرافية بما يخدم بقاء السلطة؟ إن هذا التناقض لا يعكس أزمة سياسات فحسب، بل أزمة ثقة عميقة بين الخطاب الذي يُسوَّق للخارج، والواقع الذي يعيشه المواطن في الداخل.
النضال مستمر
إن سحب الجنسية من المواطنين كإجراء عقابي هو اعتراف صريح من النظام بفشله في بناء علاقة سوية مع شعبه. فالوطن ليس "هبة" يمنحها الملك ويستردها متى شاء، والجنسية ليست مكافأة على الولاء الأعمى، إنما هي حق أصيل لا يسقط بالخلاف السياسي. وفي اليوم الذي تصبح فيه الجنسية أداة للقمع، يسقط القناع عن "مشروع الإصلاح" المزعوم، ليظهر الوجه الحقيقي لنظام يرى في مواطنيه مجرد رعايا لا شركاء في الوطن. إن جرد الحساب طويل، والتاريخ لن يرحم من جعل من "الوطن" فرصة للنفعية السياسية على حساب كرامة شعبه وانتمائه.
ورغم ما تحمّله أبناء البحرين من تضحيات قاسية وما واجهوه من أشكال القمع والتضييق، فإن مطالبهم بالحقوق والحريات تظل حاضرة باعتبارها حقاً أصيلاً لا يسقط بالتقادم. ويستند هذا الخطاب الحقوقي في جوهره إلى مبدأ دولة القانون والمؤسسات والحكم الرشيد، حيث تُصان المواطنة بوصفها حقاً ثابتاً لا منّة سياسية، ويكون المواطن شريكاً في الوطن لا تابعاً له، وتُعامل الجنسية باعتبارها رابطة قانونية وإنسانية لا أداة للعقاب أو الإقصاء.
- 2026-05-10البحرين : الملك وأولاده يعلنون الحرب على الطائفة الشيعية
- 2026-05-06البحرين ومسلسل الحب بالإكراه.. ماذا قال الملك للسفير الأمريكي في البحرين؟
- 2026-05-06رد ناقد على مقال سميرة رجب: "الوطن" ليس شماعة للقمع!
- 2026-05-02خطاب الملك : إلغاء الدولة
- 2026-04-21هرمز والتوراة والضربات العشر: سلاح إيران الذي حير العالم