ثلاثة عقود لم تطوِ صفحة "السبت الأسود": الجمري تحوّل إلى أيقونة للمقاومة.. ودماء الشهداء تحاصر قاتليهم حتى اليوم
محمد البناء - 2026-04-02 - 12:57 م
مرآة البحرين:
لم يكن الواحد من أبريل عام 1995 يوماً عادياً في ذاكرة البحرين؛ إنما يوم أشرق من فوهة بنادق الشوزن والرصاص الحي، عندما لم يجد النظام الاستبدادي سبيلاً سوى فرض الحصارات وإسالة الدماء الزكية، واستهداف قلب الحركة المطلبية آنذاك.
وتعتبر أحداث السبت الأسود الدامية صفحة استثنائية في تاريخ انتفاضة الكرامة، فبعد أشهر قليلة من انطلاق انتفاضة الكرامة نهاية العام 1994، نفذت قوات النظام مجزرتها في بني جمرة لتكسر إرادة المقاومة، فماذا كان ردّ المواطنين؟
في ذلك الصباح المشبع بروح الكرامة، الفواح بعطر الشهادة، كتب أهالي منطقة بني جمرة الصامدة، ملحمة جهادية وتاريخية وطنية وإسلامية بصدور عارية أمام آلة عسكرية متوحشة ومدججة، ليتحول هذا اليوم في الوجدان الشعبي إلى سواد حالك في صحيفة النظام الذي واجه صرخات العزة برصاص الغدر.
كانت بني جمرة في ذلك الوقت، بقيادة الرمز الإسلامي والوطني الكبير سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري (قدس سره)، تمثل الرئة الوطنية التي تتنفس من خلالها المعارضة أكسجين الرفض والمقاومة للطاغوت؛ لذا قرر النظام أن ينتقم منها ويكسر إرادتها عبر حصار عسكري خانق بدأ مع خيوط الفجر الأولى.
مئات من قوات الشغب المرتزقة والمخابرات طوقت كل مداخل القرية، واعتلت أسطح المنازل القريبة من بيت القائد الجمري، وحولت بيته إلى ثكنة عسكرية محاصرة.
لم يكن الهدف مجرد اعتقال رجل، بل كان محاولة لكسر "الأيقونة الوطنية الثائرة" وإذلال الناس الذين رأوا في القائد الجمري صوتهم الصادق وملاذهم في المطالبة بالحقوق المسلوبة وضميرهم الوطني.
ما إن ارتفع صوت التكبير من مآذن مساجد بني جمرة، حتى تدفق الأهالي شيباً وشباناً، نساءً وأطفالاً. تحركت المسيرة الكبرى من قلب القرية، ترفع شعارات وهتافات تندد بالحصار وتطالب بفك الطوق عن منزل القائد.
رغم قساوة المشهد إلا أن كبار القرية ونشطاؤها أصروا على السلمية التامة، لكن وحشية القوات لم تكن تعرف سوى لغة القتل والدمار؛ ففي منطقة "سدرة الشيخ" وبالقرب من مسجد الخضر، باشرت القوات إمطار المتظاهرين بطلقات "الشوزن الانشطارية والرصاص الحي"، لتبدأ المجزرة التي لم ترحم صغيراً ولا كبيراً.
ارتقى شهيدان رويا بدمائهما الطاهرة تراب الوطن، وسقط عشرات الجرحى الذين حملوا أوسمة الإعاقة فخراً لبقية حياتهم:
- الشهيد محمد جعفر عطية (28 عاماً): قُتل بدم بارد برصاصة في الرأس أصابته وهو يدافع عن كرامة منطقته وقضيته العادلة، ليرحل تاركاً جرحاً لا يندمل في ذاكرة محبيه.
- الشهيد محمد علي عبد الرزاق (48 عاماً): الأب الثائر الذي رأى ابنه "أسعد" يسقط جريحاً برصاص الشوزن، فهرع لإنقاذه، لتمطره القوات بعشرات الطلقات التي اخترقت جسده النحيل، ليفارق الحياة بعد ساعات من المعاناة، مسطراً أروع أمثلة التضحية والشهادة
أما الجرحى، فكانت قصصهم لا تقل مأساوية؛ "جعفر طالب" الذي فقد قدرته على الحركة الطبيعية نتيجة تهتك أحشائه، و"محمد صادق العرب" الذي بترت ساقه بعد إصابة مباشرة، ليظلا شاهدين حيين على بشاعة الإجرام الذي مورس ضد سلمية المواطنين.
لم ينجح الرصاص في دحر المحامين عن قائدهم، بل حوّل بني جمرة إلى جمرة ملتهبة في وجه الظلم، وزاد من حضور أبناءها في صدارة الحراك.
لقد كشف "يوم السبت الأسود" للعالم زيف كذب النظام وشعاراته الإصلاحية، وأثبت أن الدولة البوليسية هي الخيار الوحيد الذي يتقنه لمواجهة المطالب الشعبية الوطنية.
ورغم شدّة المحنة، ازدادت المعارضة إصراراً وثباتاً وثورية، وتعاظم القائد الشيخ الجمري في أذهان محبيه، حيث لم ينل منه السجن والتغييب خلف القضبان، وصار أسطورة وطنية لتشمل كل بيت وشارع في البحرين.
بعد مرور 3 عقود على المجزرة، لا يزال أهالي بني جمرة يحيون هذه الذكرى سنوياً بشعار يتجدد: "يا شهداء السبت الأسود.. قاتلكم في النار مخلد"، حيث لم تفلح محاولات طمس الحقيقة أو تزييف التاريخ في إخماد جذوتها.
عوائل الشهداء لا يزالون ينادون بالقصاص والعدالة، وقد تحوّلت ذكرى "السبت الأسود" لتذكير دائم بأن الحق لا يموت، وأن العدالة لابد أن تشرق ولو بعد حين.
سيبقى الأول من أبريل وصمة عار في جبين كل من أعطى الأمر بإطلاق النار، وكل من برر القتل تحت دعاوى "حفظ الأمن". إن دماء محمد علي عبد الرزاق ومحمد جعفر عطية لا تزال تروّي شجرة الحرية، وتكتب تاريخ الصبر والاحتساب والمقاومة المدنية.
نم يا شهيد فقد أصبح يوم السبت الأسود مناراً أبيضَ لكل ثائر ومقاوم يبحث عن كرامته في وطن أرادوا له الصمت والذل، فأبى إلا أن يتكلم بلسان الرصاص والصمود والشهادة والمقاومة.