سردية "الخلايا" كتعويض عن فشل الدولة في سياستها الدفاعية

2026-04-01 - 5:48 م

مرآة البحرين: في كل مرة تُعلن فيها السلطات البحرينية عن توقيفات جديدة، لا يكون الخبر مجرّد واقعة أمنية، بل نصًّا مُكتمل السردية السياسية الجاهزة. آخر هذه النماذج، ما تُروّج له وسائل الإعلام الرسمية بإيعاز طبعًا من السلطة عن خلايا تخابر مع الحرس الثوري الإيراني تارةً، أو مع حزب الله في لبنان تارةً ثانية، في رواية تتكرر عناصرها حدّ التطابق.

يمكن تفكيك سردية الدولة التي تُعاد منذ بداية الحرب بين إيران والمحور الأمريكي الصهيوني، ولاسيّما مع إغراق وسائل الإعلام المحلية بأخبار عن توقيف خلايا للحرس أو الحزب، وفق المزاعم الرسمية.

أدوات السردية لا تحتاج الى الكثير من الجُهد لتفكيكها ويمكن اختصارها بالآتي: كلّ من يُقدِم على التعاطف مع حركات المقاومة في المنطقة،
أو يؤيّد كلّ عمليات مواجهة المحور الأمريكي "الإسرائيلي" في دول الخليج، أو يرفض الوجود الأمريكي في البحرين وكلّ جرائم أمريكا و"إسرائيل" ويُعبّر عن هذه المواقف عبر صفحة تواصل اجتماعي أو حساب هنا أو هناك وينتمي إلى المذهب الشيعي، حتمًا سيكون هدفًا لدى أجهزة الدولة التي ستُسقط كلّ عبارات الخيانة والتعاون أو التخابر مع الحرس الثوري وحزب الله عليه.

قد تُحاول السلطة انتزاع اعترافات غير حقيقية من الموقوفين ممّن تنطبق عليهم هذه المواصفات تحت وطأة التعذيب، كي تُتوّج سرديتها وتقول أمام الرأي العام ها هم اعترفوا بأنهم خلايا نائمة أو نشطة للحرس، لكن كلّ ذلك بات مكشوفًا لدى الشعب الذي ملّ "سوالف" النظام وأجهزته المخابراتية.

الأخطر أن هذه الصياغة لا تترك مساحة للبراءة، بل تضع المتهم مباشرة داخل خانة "العدو"، وتُضخّم التهمة من أفراد إلى خلية، وتتحدث في روايتها عن مخططات إرهابية وتهديد للأمن القومي.

وفي الرواية نفسها في كلّ حالات التوقيفات العشوائية التي تحصل اليوم، ينتقل الخطاب من اتهام بجمع معلومات إلى الحديث عن تهديد السيادة، ونشر الرعب بين المواطنين.

التفاصيل التي تُنشر من صور ومعلومات عن الموقوفين المتهمين، تُعرض للرأي العام قبل أي محاكمة، وتصبح وسائل الإعلام هنا منصّة لإصدار حُكم مسبق، بينما يغيب صوت المتهمين تمامًا.

وفي مقابل هذا التضخيم، تغيب أسئلة أساسية: أين الأدلة القابلة للتحقق؟ ما طبيعة "الاعترافات" أصلًا؟ هل حصل المتهمون على حق الدفاع الكامل؟ لماذا تُحسم القضية إعلاميًا قبل جهاز القضاء؟

ما تكشفه هذه الحالة منذ شهر في البحرين ليس مجرد سياسة أمنية، بل سياسة إعلامية مُتكاملة: تُنتج التهمة بلغة مفتوحة، تُبالغ فيها عبر مفردات الخطر وتُحصّنها إعلاميًا قبل أن تُختبر قضائيًا.

في النهاية، لا يصبح الهدف فقط توقيف أشخاص، بل إعادة تشكيل المجال العام نفسه: حيث يُعاد تعريف السياسة كخطر، والمعارضة كخيانة.
وعليه، تسعى الدولة للتعويض عن فشلها الدفاعي وتحوّلها نتيجة لذلك إلى ساحة صراع إقليمي، عبر إفراغ غضبها في مواطنين لديهم قناعات دينية وقومية سليمة، تريد بالقوة وكلّ الوسائل أن تجعلها الخطر الأكبر على أراضي البحرين، بدل أن يكون وجود الأمريكيين والصهاينة.