تمكينٌ وراثي: حين تتحوّل المناصب إلى امتداد لشجرة الحكم
2026-02-22 - 3:42 ص
مرآة البحرين : جاء في الخبر الرسمي بتاريخ 16/2/2026، أصدر ممثل الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب رئيس مجلس أمناء المؤسسة ناصر بن حمد آل خليفة قرارًا بتعيين (ابنته) شيمة بنت ناصر بن حمد آل خليفة رئيسًا للمبادرات التطوعية الإنسانية بالمؤسسة، بمباركة من الملك حمد بن عيسى آل خليفة (جدّها).
تبرير القرار والتعيين ربطه ناصر بن حمد بأنه يأتي في إطار توجه المؤسسة نحو تعزيز العمل التطوعي المؤسسي وتطوير مبادرات إنسانية نوعية ذات أثر مستدام، ودمج القيادات الشابة والرفيعة مع العمل الميداني المؤسسي، وقال إن هذا التعيين يجسد حرص المؤسسة على تمكين الطاقات الوطنية الشابة ودعم الكفاءات القيادية القادرة على الابتكار في العمل الإنساني.
حين يصدر قرار من ناصر بن حمد آل خليفة بتعيين ابنته ذات الستة عشر عامًا رئيسًا للمبادرات التطوعية الإنسانية في المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، لا يحتاج المواطن إلى كثير من التحليل ليفهم أن "تمكين الشباب" في البحرين يبدأ من القصر وينتهي عنده.
ستة عشر عامًا فقط إذًا ! في هذا العمر، ينشغل معظم الطلبة باختبارات المدرسة واختيار التخصّص الجامعي، وربما بحلم الدراسة في الخارج. لكن في البحرين الرسمية، يمكن أن تقفز مباشرة إلى رئاسة مبادرات إنسانية على مستوى مؤسسة ملكية، إذا كنتِ الابنة المناسبة والحفيدة المناسبة. فالميزة التنافسية هنا ليست سيرة ذاتية حافلة، بل شجرة عائلية بامتياز.
المفارقة أن الدولة لا تكفّ عن الحديث عن دعم الكفاءات الوطنية، وتشجيع الشباب على المبادرة، وبناء قيادات المستقبل. لكن يبدو أن "قيادات المستقبل" تُصنع بقرارات فورية، لا بمسارات تراكمية من الخبرة والعمل الميداني.
السخرية لا تتعلّق بعمر الفتاة بحدّ ذاته، فهي في نهاية المطاف شابة لم تختر اسم عائلتها. السخرية تتعلق بنظام يرى في المناصب منصات رمزية توزّع داخل العائلة، حتى لو كان ذلك على حساب فكرة الاستحقاق. أيُّ رسالة تُرسل إلى آلاف المتطوعين البحرينيين الذين أمضوا سنوات في العمل الأهلي؟ ربما عليهم أن يضيفوا إلى استماراتهم خانة جديدة: "صلة القرابة مع بيت الحكم".
الأمر لا يقف عند حدود التعيين، بل يتصل بثقافة توريث الحضور العام. حين تكونين ابنة أحد أبرز أفراد الأسرة الحاكمة، وحفيدة الملك، يصبح الطريق إلى المنصب أقصر من طريق الذهاب إلى المدرسة. هكذا يُختصر مفهوم التمكين في مشهد سريالي، وتتحوّل المبادرات الإنسانية إلى عنوان علاقات عامة.
في بلدٍ يُطلب فيه من المواطنين شدّ الأحزمة ومواجهة أعباء المعيشة، تبدو هذه القرارات وكأنها تقول: التقشّف للجميع، والفرص لمن وُلدوا في المكان الصحيح. أمّا العدالة في تكافؤ الفرص، فتظل شعارًا جميلًا يصلح للخطب، لا للتطبيق.
الأكيد أنه من المبكّر على فتاة في السادسة عشرة أن تتحمّل عبء "رئاسة مبادرات إنسانية"، والحديث هنا لا يدور حول وظيفة عادية بل عن ترؤس دائرة عمل ومجموعة موظفين، من قِبل من يعدها القانون البحريني طفلة لم تبلغ الثامنة عشرة، لكن من الواضح أن النظام لا يرى في العمر أو الخبرة عائقًا، ما دام اللقب حاضرًا. وهنا، لا يعود السؤال عن كفاءة شخص بعينه، بل عن كفاءة منظومة تُدار بعقلية العائلة لا بعقلية الدولة.
في بلدٍ يعاني فيه آلاف الشباب من البطالة أو من انسداد الأفق الوظيفي رغم تحصيلهم العلمي وخبراتهم، يأتي هذا القرار ليكرّس صورة نمطية باتت مألوفة: المناصب العليا تُحجز ضمن نطاق العائلة، فيما تُترك الكفاءات الوطنية تنتظر "فرصًا" قد لا تأتي. لا أحد يعترض على العمل التطوّعي أو على انخراط أي شابة في الشأن الإنساني، لكن الإشكالية تكمن في آلية التعيين نفسها: هل فُتح باب التنافس بشفافية؟ هل عُرضت السيرة الذاتية ومعايير الاختيار على الرأي العام؟
هذا النمط من التوريث الوظيفي لا يقتصر على السياسة بمفهومها الضيّق، بل يمتد إلى مفاصل العمل الإداري والخيري، بما يُعمّق الإحساس بعدم تكافؤ الفرص. كيف يمكن إقناع شابّة بحرينية متفوّقة بأن مستقبلها مرهون بالاجتهاد، فيما ترى المناصب تُمنح بقرارات فوقية داخل الأسرة الحاكمة؟ وكيف يمكن الحديث عن تمكين الشباب والمرأة إذا كان التمكين انتقائيًا ومحصورًا ضمن دائرة بعينها؟
وعليه، إن أخطر ما في هذه القرارات ليس الاسم بحد ذاته، بل المنهج الذي تعكسه: غياب الشفافية، وتغليب الاعتبارات العائلية على المعايير المهنية، واستمرار ثقافة التعيين المغلق.
الإصلاح الحقيقي يبدأ بإرساء قواعد واضحة للتوظيف في المؤسسات العامة وشبه العامة، ونشر معايير الاختيار، وإخضاع المناصب - مهما كان طابعها - لرقابة مجتمعية ومؤسسية.
- 2026-02-19تبذير في الخارج وأزمات في الداخل: رفاهية الرياضة وتحديات الدين العام في البحرين
- 2026-02-18تسريب غير مؤكد حول تحذير البحرين لإيران يثير سخرية المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي
- 2026-02-15"آخر الحلول": خطابٌ عسكري ثابت في البحرين وسياسة أمنية دائمة
- 2026-02-12الطائفية تفوح مجدداً في تخريج دفعة لـ"الحرس الوطني"
- 2026-02-08البرلمان بمنأى عن التقشّف: لماذا لا تُخفّض رواتب الشورى والنواب؟