البحرين ربع قرن من العقل الأمني وقبضة التحالفات
2026-02-10 - 2:33 م
محمد البناء ؛ مرآة البحرين
بعد مرور أكثر من مائتين وخمسين عاماً على دخول آل خليفة إلى البحرين، يجد المتفحص للمشهد السياسي أن استمرارية هذا الحكم لا تستند إلى عقد اجتماعي متين أو رضا شعبي جامع، بل هي نتاج هندسة سياسية وأمنية معقدة، اعتمدت على الاستقواء بالخارج وتفتيت الداخل.
الشرعية المستعارة من البوارج
نجح النظام تاريخياً في مقايضة السيادة بالحماية. فمنذ المعاهدات البريطانية القديمة وصولاً إلى استضافة الأسطول الخامس الأمريكي، لم يراهن النظام على شرعيته المستمدة من صناديق الاقتراع، بل على كونه ""شرطياً" يحمي مصالح القوى الكبرى في منطقة حيوية للطاقة. هذا الدعم الدولي يوفر للنظام غطاءً سياسياً يسمح له بتجاوز الانتقادات الحقوقية، ويجعل من مطالب التحول الديمقراطي مجرد "ضجيج" لا يفسد للتحالفات العسكرية قضية.
تفكيك النسيج الوطني .. التجنيس نموذجاً
في قلب الحراك الوطني ، يقبع ملف "التجنيس السياسي" كأداة بقاء وجودية وملف يمس الهوية بالدرجة الأولى. لم تكن الغاية من منح الجنسية لآلاف الوافدين من طائفة معينة (خاصة من ذوي الخلفيات العسكرية) سد نقص في العمالة، بل كانت عملية "هندسة ديموغرافية نابعة من قرار إقليمي" تهدف إلى خلق كتلة بشرية موالية بالكامل، تدين بوجودها وامتيازاتها للنظام. هذه السياسة لم تهمش المعارضة سياسياً فحسب، بل ضربت الهوية الوطنية الأصيلة وحولت الدولة إلى "كانتونات" من الولاءات المشتراة، مما أضعف قدرة المجتمع على المطالبة بالإصلاح ككتلة واحدة.
الاقتصاد كأداة للعقاب والولاء
لقد أحكمت العائلة الحاكمة قبضتها على مفاصل الثروة، حيث تحولت الأراضي العامة والموارد الطبيعية إلى ملكيات خاصة تُوزع في "هبات" و "أعطيات" لضمان ولاء النخب التجارية والعسكرية والطائفية. في المقابل، تُستخدم لقمة العيش كأداة عقاب؛ فالمعارض أو حتى القريب منه يجد نفسه محارباً في رزقه وقوت يومه، ومستبعداً من الوظائف العليا، في حين تُغدق الأموال على المؤسسات الأمنية التي تضبط صوت الشارع.
من الميثاق إلى الانسداد
كان ميثاق العمل الوطني عام 2001 بمثابة "فرصة ضائعة" أو "فخ سياسي" كما يراه الكثيرون اليوم. فبينما استبشر الشعب بالتحول لملكية دستورية، امتص النظام زخم المطالب الشعبية بوعود لم تتحقق، لينقلب عليها لاحقاً في دستور 2002 الذي صادر صلاحيات البرلمان. ومع انفجار الربيع العربي في 2011، سقطت الأقنعة السياسية وحلت مكانها "لغة الرصاص" والاعتقالات الممنهجة وحل الجمعيات السياسية (كالوفاق ووعد)، مما أدى إلى تجريف كامل للعمل السياسي العلني.
الاستناد إلى الجدار الإقليمي
أخيراً، يدرك الموطن البحريني أن بقاء النظام مرتبط عضوياً بالمنظومة الخليجية المحافظة. فالتدخل العسكري عبر "درع الجزيرة" في 2011 أثبت أن قرار التغيير في المنامة ليس محلياً فقط، بل هو "خط أحمر" إقليمي. هذا الارتباط جعل البحرين ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وزاد من عزلة النظام عن شعبه مقابل ارتمائه في أحضان المحاور الخارجية.
إن بقاء نظام آل خليفة طوال هذه العقود، ليس دليلاً على قوته الذاتية، بل هو نتيجة لاستراتيجية ""تصفير السياسة" في الداخل، والاعتماد المطلق على الحماية الخارجية والمال الخليجي، مما خلق استقراراً هشاً يغلي فوق صفيح ساخن نتيجة المظالم التاريخية.