هل نحتاج لفحص مصداقية تهديد إيران لأعدائها؟

2026-01-25 - 1:17 م

للكاتب حسين كاظم

مرآة البحرين: إيران ليست "دولة عظمى" بالمعنى الكلاسيكي، لكنها نجحت في بناء عقيدة أمنية - عسكرية تُحسب لها حسابات القوى الكبرى. واللافت أن هذا البناء لم يأتِ من وفرة الموارد أو رفاه التكنولوجيا المستوردة، بل من وعيٍ قاسٍ بالتهديدات المتراكمة، ومن تجربة تاريخية جعلت "الاعتماد على الذات" ضرورة وجودية لا شعارًا. لذلك، حين تُقرأ العقيدة الدفاعية الإيرانية بإنصاف، تبدو كأنها مدرسة كاملة في كيف تصنع دولةٌ محاصَرة قدرة ردع فعّالة بأدوات غير مكلفة نسبيًا، وبمقاربة تستبق الحرب بدل أن تنتظرها.

جوهر العقيدة الإيرانية يقوم على مبدأين: الردع ومنع المفاجأة. لقد تعلّمت إيران من حرب الثمانينات أن الاعتماد على الضمانات الخارجية قد يتركها وحيدة في أصعب اللحظات، وأن التفوق الجوي التقليدي ليس شرطًا وحيدًا لحماية الدولة. لذا انتقلت من فكرة "الجيش التقليدي الذي ينتصر في معركة فاصلة" إلى فكرة "منظومة ممتدة تجعل أي هجوم باهظ الثمن"، عبر قدرات صاروخية ومسيرات، وانتشار هندسي تحت الأرض، وتوزيع مراكز القوة بما يصعّب شلّها بضربة واحدة.

ومن هنا يأتي مفهوم الدفاع إلى الأمام: أي نقل خط الاشتباك بعيدًا عن الداخل الإيراني، وبناء عمق استراتيجي يحمي الجغرافيا الإيرانية من أن تصبح ساحة حرب مباشرة. هذه المقاربة لا تعني السعي إلى حرب مفتوحة، بل تعني أن إيران ترى أمنها كشبكة إقليمية من التوازنات والرسائل المتبادلة، وأن الردع لا يُبنى داخل الحدود فقط، بل أيضًا عبر القدرة على التأثير خارجها. في عالم يضغط فيه الخصوم من الجو والبحر والاقتصاد، يصبح "العمق" عند إيران جزءًا من الهندسة الأمنية للدولة.

أما الترسانة، فهي امتداد طبيعي لهذه الفلسفة. إيران ركّزت على ما يُسمى "قوة النيران": صواريخ بالستية وكروز، وطائرات مسيّرة متنوعة، ومنظومات دفاع جوي مطوّرة محليًا، إضافة إلى بنية تحتية عسكرية تتسم بالتخفّي والمرونة. ميزتها هنا ليست أنها تملك "الأحدث عالميًا" في كل شيء، بل أنها بنت قدرة إنتاج وتحديث مستمرة رغم العقوبات، واعتمدت على الابتكار المحلي والهندسة العكسية والتكييف الذكي. هذه ترسانة مهيّأة للردع والتعطيل وإيصال الرسائل الاستراتيجية، خصوصًا حين يكون التفوق الجوي التقليدي لدى الخصوم أكبر.

وفي البحر، تتجلى عبقرية اللامتماثل. إيران لا تحاول منافسة حاملات الطائرات، بل تبني القدرة على تعقيد حركة الخصم ورفع كلفة أي مواجهة بحرية عبر أساليب متعددة: انتشار، زوارق سريعة، صواريخ ساحلية، ألغام، مسيّرات استطلاع وهجوم. الرسالة بسيطة: لا أحتاج السيطرة على البحر كي أمنعك من الاسترخاء فيه. وهنا يتحول الردع إلى حسابات كلفة/منفعة دائمة.

يبقى الفكر الثوري هو الرابط الذي يمنح هذه المنظومة معنى سياسيًا ونفسيًا. الثورة الإيرانية لم تكن مجرد تبديل حكومة، بل مشروع "سيادة" يرى أن الاستقلال ليس خطابًا بل قدرة على اتخاذ القرار دون ابتزاز. ومن هذا المنطلق، تحوّل "الصمود" إلى عقيدة تشغيلية: الاقتصاد يتحمّل، المجتمع يتكيّف، والمؤسسة العسكرية تُطوّر نفسها تحت الضغط. هذا الفكر أنتج عقلية مؤسساتية تُجيد العمل في بيئات العقوبات، وتحوّل القيود إلى محفزات للإبداع الدفاعي.

وباعتراف الكثير من المصادر التي تحسب على أعداء إيران، فإن الجمهورية صنعت نموذجًا دفاعيًا مميزًا: دولة محاصَرة بنت "استقلالية دفاعية" ليست كاملة تماماً، لكنها كافية لفرض الردع، وإعادة تعريف معنى القوة في الإقليم.

من كل ذلك يمكننا فهم تهديدات قائد الحرس الثوري السابق محسن رضائي بأن كل القواعد الأمريكية في المنطقة، وإسرائيل سيكونون في مرامي القوات الإيرانية بمختلف طبقاتها وأنواعها، وكل ما ظهر لحد الآن، لم يطرق باب المفاجآت التي أثبتت طهران أن مصداقيتها في إنتاجها-أي انتاج المفاجأة- تحظى بمصداقية كبيرة، خصوصا بعد نجاح إيران في تعطيل إرسال الإشارة من الأقمار الصناعية لشركة ستار لنك، حيث حاولت الأخيرة إعمال تقنيتها في تشغيل الانترنت في الجمهورية الإسلامية بالاتفاق مع البنتاغون، لتأجيج أعمال التخريب التي شهدته شوارع إيران مؤخراً. هذا التعطيل/التشويش، يعد تقنية كبيرة جداً، وأمرأ مفاجئاً بالنسبة للتقنين، الأمر الذي يمكن أن يبني التوقع (شبه الدقيق) في أن الجعبة الإيرانية تخبيء الكثير.