البروفيسور الأميركي إميل نخلة: وقت الحوار ينفد في البحرين!

16/01/2013م - 3:56 ص - 11332 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق



  • بعد 40 سنة من صدور كتابي عن البحرين.. المظالم نفسها النموذج القبلي نفسه وحتى «السيّد 50 في المائة» نفسه!
  • القيادة السعودية لم تَشْفَ بعد من ما حدث لمبارك..والموقف الأميركي من البحرين متأثر بالاقتصاد السعودي المغلغل
  • التحدي الرئيسي هو إذا ما كان لآل خليفة متسع من الوقت للانتظار.. فنافذة الحوار قد تغلق في وقت قريب

مرآة البحرين (خاص): في العام 1972، حصل البروفيسور الأميركي إميل نخلة على منحة عبارة عن سنة دراسية لإجراء بحث ميداني عن البحرين. قدم المنحة برنامج «فولبرايت» الذي كان يهتم بإجراء بحوث عن الدول العربية الجديدة في الخليج، حديثة الاستقلال. زار البحرين (1972 - 1973) من أجل ذلك، كأوّل باحث أميركي يحصل على هذه المنحة. كان حرّاً في أن  يدعم مشروعه البحثي بإجراء اللقاءات مع من يريد، الوزراء ورجال أعمال وخرّيجي الجامعات والمزارعين والصيادين والغواصين وتجار المجوهرات واللؤلؤ والنشطاء السياسيين وحقوق الإنسان والمعلمين والأساتذة وعمال المصانع. 

زار كل المدن والقرى، وأجرى مقابلات مع كل ناد في كل حي. كما غطّى أيضاً انتخابات المجلس التأسيسي (1972) الذي تواجد تقريباً في جميع الدورات التي عقدها إلى أن تبلورت الصيغة النهائية لدستور (1973)، ولاحقاً المجلس الوطني (1973). وقام بإجراء حوارات مع كل المترشحين ومن ثم الأعضاء المنتخبين في المجلسين. 

على كل هذا، جاء كتابه «البحرين: التطور السياسي في مجتمع متحدث» الذي يعد اليوم من أهمّ المراجع التي يمكن العودة لها لمعرفة مخاضات هذه الفترة. ويقول نخلة «تعرفت على الكثير من البحرينيين، وأقمت علاقات صداقة وثيقة بعضها ما يزال قائماً منذ 40 عاماً. في الحقيقة كان من السهل جداً أن أقع في حب البحرين». إلا أن كتابه الذي حظي بكل هذا الزخم من التغطية والتسهيلات لكتابته، والذي نشر في العام (1976) لم يتم السماح بتداوله في البحرين. في تعليقه على ذلك، يقول «أعتقد أنه كان محظورا لأنه ناقش أموراً داخل الأسرة الحاكمة، والديناميات السياسية عشية وعقب الانتخابات في المجلس التأسيسي، والوضع الأمني في البلاد».  كما يكشف نخلة لأول مرة بأن «(رئيس الوزراء) الشيخ خليفة (بن سلمان آل خليفة) ومدير الأمن في ذلك الوقت، البريطاني إيان هندرسون، اعترضاَ على لقاءاتي مع الكثير من البحرينيين». 

قدم نخلة كتابه الذي جاء باللغة الإنجليزية وحوى تحليلاً معمقاً، إلى كل الجمعيات التي كانت موجودة آنذاك. وقامت «دار الكنوز الأدبية» بترجمته إلى اللغة العربية ونشره من بيروت. ومؤخراً، قامت إحدى دور النشر الأميركية «لكسينغتون للكتب»، بإعادة نشر الكتاب عقب اندلاع ثورة 14 فبراير/ شباط 2011.  

ويوضح في هذا السياق «إن الناشر رأى بشكل صحيح أن كثيراً من المظالم التي تحدث عنها الكتاب في سبعينات القرن الماضي كانت ما تزال هناك إلى اليوم، بما في ذلك رئيس الوزراء القديم نفسه». وقد اختار نخلة لوحة للرسام البحريني محمد البوسطة، كان قد ابتاعها من معرض له العام 1973، كغلاف للطبعة الجديدة. ويستذكر هنا حادثة ذات دلالة «خلال ذلك المعرض رأى الشيخ خليفة اللوحة، ولكن لم يحبها! ربما لأنها كانت تحوي نوعاً من التطلعات الشعبية. وقد وضعت بشكل متزامن مع إعلان الدستور». ويضيف بهذا الصدد «اللوحة تصور ثلاثة بحرينيين: امرأة، مزارع، وعامل مصنع. كانت الآمال السائدة آنذاك أن يسترد الدستور الجديد آمالهم وتطلعاتهم. لكن هذه الآمال تبددت». ويتابع نخلة «لم تعط المرأة الحق في التصويت، مزارعو القرى فقدوا الكثير من أراضيهم على أيدي أناس من آل خليفة، ومنع عمال المصانع من الحق في التنظيم النقابي». ويقول «البحرين ما تزال مشروعا غير مكتمل، وبالتالي فإن اهتمامي بها مستمر». 

«مرآة البحرين» التقت إميل نخلة، عضو مجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة الأميركية، والمدير السابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية «سي آي إي» وحاورته حول عدد من الخلاصات التي انتهى إليه كتابه، وما إذا كانت لما تزال فاعلة للآن، وكذلك عن الموقف الأميركي من أزمة البحرين. فيما يلي مقتطفات:

مرآة البحرين: هل ما زال نمودج «القبلية المتحضرة» الذي ناقشته في كتابك عن البحرين في عام 1970 ساريا حتى اليوم؟

 
إميل نخلة: على الرغم من مرور 40 عاما منذ أن بحثت وكتبت كتابي عن البحرين، النموذج القبلي، للأسف، لا يزال ساريا على حكم عائلة آل خليفة في البلاد. فآمال المواطنين البحرينيين - الشيعة والسنة- التي كانت معلّقة على انتخابات المجلس التأسيس والمجلس الوطني عام 1972-1973 وعلى الدستور الذي أصدره الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في عام 1974، قد قُضي عليها بعد عامين. وبحلول عام 1975، عاد آل خليفة إلى الحكم الاستبدادي في البلاد دون أي مشاركة من المواطنين. وبعد عام 1975، عندما تم حل المجلس الوطني وتجميد الدستور، ظلت العائلة الحاكمة تنظر إلى البلد والشعب على أنهم جزء من ملكية آل خليفة. وفي الواقع، فإن العديد من المناصب الرئيسية، بما في ذلك الديوان الملكي، ووزارة الدفاع، ووزارة الشؤون الخارجية، ومكتب رئيس الوزراء، ووزارة العدل، إلخ،  يشغلها حاليا أولاد وأحفاد المؤسسين الأوائل لحكم آل خليفة. وقد أعرب البحرينيون عموما عن ولائهم لرأس قبيلة آل خليفة لأربعة أسباب على الاقل.

الأول، أن البحرينيين عموما أحبوا واحترموا  الشيخ عيسى. الثانية، الشعب التزم بالفكرة القومية لبحرين مستقلة. الثالثة، هو أن العديد من نشطاء حقوق الإنسان في عام 1970، من الشيعة والسنة، ظلوا يأملون أن يُحيي الشيخ عيسى المجلس الوطني ويعيد الدستور. الرابع، معظم نشطاء حقوق الإنسان وغالبية البحرينيين لم ينظروا إلى دعوات الإصلاح السياسي ومحاسبة الحكومة كانعكاس للانقسام الطائفي في البلاد. وعلى العكس من ذلك، فإن معظم النشطاء دعوا إلى حرية التعبير والتجمع وحكومةٍ مُساءَلةٍ شفافة لجميع البحرينيين. وقد أظهرت أبحاثي الميدانية أن الكثير من العمال البحرينيين كانوا مُستائين من السيطرة السياسية والمالية المتفشية التي يمارسها الشيخ خليفة، ورئيس الوزراء وشقيق الأمير على العقود، والتوكيلات، والمشاريع – بدءًا من بناء الفنادق إلى استصلاح الأراضي والتنمية.
فالعديد منهم وصفوه سرا بأنه «السيد 10 بالمئة، 40 بالمئة، أو 50 بالمئة» اعتمادا على النسبة المتصورة التي كانوا يعتقدون أنه حصل عليها من عقود معينة. المعارضون المؤيدون للإصلاح قبلوا بإدارة قبيلة آل خليفة للبحرين كإقطاعية دون مساءلة الجمهور. وبعد الثورة الإيرانية عام 1978 -1979، برر الشيخ خليفة وقواته الأمنية سيطرتهم بأنها وسيلة لإحباط ما يتصورون أنه دعم إيراني للنشاط الشيعي في الخليج العربي.

المرآة: كيف سيكون أثر الربيع العربي على دول الخليج العربي؟ الميثاق الوطني 2001  وعد بدستور إصلاحي جديد، ولكن للأسف، الناس أصيبوا بخيبة أمل لأن الأمير (تغيرت تسميته إلى ملك بعد عام 2002) قد تراجع عن وعود الإصلاح التي وعد بها الشعب في عام 1999. ما هو المسار الذي ستتخذه الحركة المؤيدة للإصلاح وما  هو التأثير الذي سيشكله على البلاد؟

نخلة: على الرغم من طبيعة الحكم القبلي والأسري في البحرين، فقد تأثرت البلاد بالربيع العربي، سواء أحبت ذلك الأسرة الحاكمة أم لم تحب. فمطالب الكرامة والمساواة، والاحترام، وحرية التعبير لا تعرف الحدود الوطنية. بمعنى أن الأسرة الحاكمة محظوظة لأن المطلب الرئيسي للمعارضة البحرينية في البداية لم تكن لتغيير النظام. فلقد ركّزوا على تأسيس برلمان وطني منتخب مع سلطات تشريعية كاملة، وإعادة دستور عام 1974، وتغيير رئيس الوزراء، وسلطة قضائية مستقلة، وحكومة شفافة خاضعة للمساءلة، ووضع حد للممارسات التمييزية ضد الأغلبية الشيعية، وخاصة في مجال العمل في الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة والمستشفيات، والجامعات، والشركات والمؤسسات المالية التي تسيطر عليها الحكومة.  تلك المطالب لم تكن طائفية ولا مدفوعة من قبل إيران.
قمع النظام المستمر والاعتقالات غير القانونية للمتظاهرين قد أدت ببعض المتظاهرين إلى رفع شعار «تغيير النظام». بينما الاضطرابات الشعبية في تونس ومصر واليمن وليبيا، والآن في سوريا  دعت منذ اليوم الأول إلى تغيير النظام، وفي البحرين مطلب تغيير النظام هو مطلب حديث جدا. فإذا لم يَسُد القادة الحكماء والزعماء المؤيدون للإصلاح داخل الأسرة الحاكمة، وإذا ظل الملك وولي العهد مهمشين، فإن حكم آل خليفة سيصبح أكثر هشاشة، وأعمال العنف ستتوسع، وستتم إراقة المزيد من الدم البحريني، والعناصر المتطرفة ستصبح أكثر مقدرة داخل المعارضة المؤيدة للإصلاح. والأكثر إثارة للقلق هو أن سلطة الملك وابنه ولي العهد تتآكل ببطء والفصيل المناهض للإصلاح داخل العائلة الحاكمة، سواء كان الجيل القديم المتمثل برئيس الوزراء أو بعض الوزراء البارزين الأصغر سنا الممثلين  بما يسمى بـ«الخوالد» يصبحون أكثر تزمتا ضد الشيعة وأكثر تأثيرا. هذا الفصيل يتماشى مع المبادئ التوجيهية السعودية على كيفية معارضة الإصلاحات الديمقراطية.
عندما دخلت القوات السعودية إلى البحرين تحت ستار الاتفاقية الأمنية الخليجية، وقعت البحرين عمليًا تحت الهيمنة السعودية. وفي حين أن الحارس العجوز لآل خليفة قد رحب بهذا التدخل، فإن العناصر المؤيدة للإصلاح داخل وخارج الأسرة الحاكمة استاءت من الوجود العسكري السعودي واتهمت رئيس الوزراء بالتخطيط لذلك. وعلى الرغم من أن الوجود العسكري السعودي  يخدم معاداة المملكة العربية السعودية لإيران وسياسة مناهضة الشيعة، فإنه على المدى الطويل سوف يلحق ضررا هائلا بالاستقرار، والمجتمع، والحكومة في البحرين. فالجيش المصري والأجهزة الأمنية المصرية الأكثر قوة فشلت في إسكات الصحوة الشبابية في ميدان التحرير.  وقوات الأمن البحرينية سوف تفشل بالمثل في إسكات المعارضة. نافذة الحوار الحقيقي بين الملك والمعارضة حول إصلاح سياسي ذي مغزى ينغلق بسرعة. وعندما تغلق النافذة، سوف تجد البحرين نفسها في مشكلة اقتصادية وسياسية حقيقية، وسوف يخسر قادة آل خليفة «بيعة» شعبهم - من السنة والشيعة.

المرآة: كيف تقيمون العلاقات الأمريكية السعودية المتعثرة حول الديمقراطية والإصلاح في المنطقة وكيف تتصورون تطور هذه العلاقة؟

نخلة: العلاقات السعودية الأمريكية حول اضطرابات انتفاضات الربيع العربي والتحولات الديمقراطية أصبحت متوترة منذ أن قام الرئيس الأمريكي بتأييد الحركة المؤيدة للديمقراطية في مصر وحث الديكتاتور المصري على التنازل عن العرش. وبسبب علاقاتهم الوثيقة مع مبارك، غضب السعوديون من موقف الولايات المتحدة وادعوا أن الرئيس كان سريعا جدًا في التضحية بمبارك. كان موقف الرئيس أوباما هو أن الولايات المتحدة تساند القائد طالما أنه يحظى بثقة شعبه. وبمجرد أن يفقد ذلك فإنه ينبغي أن يرحل. هذا هو الحال مع مبارك في مصر، وصالح في اليمن، وزين العابدين بن علي في تونس، والقذافي في ليبيا، والأسد في سوريا الآن. السعوديون يجدون من الصعوبة القبول بأي دور ذي مغزى للشعب في تحديد نوع الحكومة والزعيم الذي يرغبون به. وعلى الرغم من العلاقة الاستراتيجية التي تمتد لعقود بين واشنطن والرياض، فإن القيادة السعودية لم تَشْفَ بعد من ما حدث لمبارك. فهذه العلاقة الاستراتيجية ارتكزت على النظرة الأمريكية السعودية المشتركة حول الاستقرار الإقليمي، والتعاون العسكري القوي والصادرات النفطية، والموقف الإيراني المتصور للهيمنة على منطقة الخليج.
 
الولايات المتحدة والسعودية يعملان بشكل وثيق في المجال العسكري، وينسقان بانتظام ضد إيران، ويتفقان بشأن سوريا. ولكن يختلفان على ردة فعل الحكومة البحرينية تجاه الاضطرابات وعلى والحملة القاسية لآل خليفة ضد الأغلبية الشيعية. فواشنطن لم تدعم التدخل السعودي العسكري في البحرين وتعتقد أن هذه الخطوة من شأنها أن تثير الوضع أكثر، وتشعل الطائفية. والرياض لم تظهر أي استعداد لبدء حوار حقيقي بين آل خليفة والمعارضة، كما أنها لا تتصور أي دور ذي مغزى للغالبية الشيعة في الحكومة. وبسبب القلق بشأن برنامج إيران النووي، والعنف البشع في سوريا، ووجود الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين، والحملة الانتخابية الرئاسية عام 2012 في الولايات المتحدة، تم تأجيل أمر الانتفاضة في البحرين، على الأقل في الوقت الراهن. ومع ذلك، فإن واشنطن كانت تحث باستمرار الحكومة البحرينية، وإن كان دائما بغاية اللطف، على التحاور مع الحركة المؤيدة للديمقراطية وكانت تشجع ولي العهد للعب دور أكثر نشاطا في تعزيز هذا الحوار.
ومن ناحية أخرى، الولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري قوي في الخليج وتنسق مع حكومات دول الخليج لمكافحة الإرهاب في شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، وفي مواجهة النشاطات المزعزعة للاستقرار من الجانب الإيراني. الولايات المتحدة حتى الآن لم تستخدم نفوذها الكبير مع آل خليفة لفرض حوار مع المعارضة. وكما توقع العديد من المحللين، فإن التدخل السعودي العسكري لسحق الانتفاضة قد فشل على الرغم من ضراوة الموقف تجاه الطائفة الشيعية. وعلى العكس من ذلك، فقد نشطت المعارضة رغم القمع المستمر الذي يمارسه النظام، وأيضا مكنت المتشددين ضد الشيعة داخل الأسرة الخليفية، وبشكل غير مباشر همشت الملك وابنه ولي العهد.

المرآة: هل قامت المملكة العربية السعودية باستخدام اعتماد الولايات المتحدة على النفط السعودي ومبيعات الأسلحة الأمريكية الضخمة إلى المملكة لابتزاز الولايات المتحدة  لاتخاذ موقف يبدو أكثر تسامحا تجاه التكتيكات القاسية لآل خليفة ضد الناشطين المؤيدين للديمقراطية؟ هل من الممكن أن يكون هناك طلاق بين العلاقات الأمريكية- البحرينية بسبب العلاقات السعودية - الأمريكية؟

نخلة: لم تحاول المملكة العربية السعودية التأثير على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الانتفاضة البحرينية من خلال الابتزاز. هذه المحاولة، إن وجدت، ستكون عقيمة وسوف تأتي بنتائج عكسية بالتأكيد. عندما تصبح الولايات المتحدة مكتفية ذاتيا في مجال الطاقة، وعندما تهدأ الحرب في أفغانستان، وعندما تبحث إيران عن تسوية تفاوضية مع المجتمع الدولي بشأن برنامجها النووي، فإن الولايات المتحدة سوف تبدأ في البحث عن استراتيجيات للحد من وجودها العسكري في المنطقة. كما يمكن للقرارات المالية وتلك المتعلقة بالميزانية داخل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أيضا التقليل من الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، لتشمل الأسطول الخامس. ووفقا لبعض التقارير، فإنه خلال عقد ونصف من الآن من المتوقع أن تحتاج السعودية بين 6-8 مليون برميل من النفط يوميا للاستهلاك المحلي،  وبشكل أساسي في توليد الطاقة وتحلية المياه. وبناء على ذلك، فإن المملكة سيكون لديها كميات نفط أقل للتصدير وعائدات نفطية أقل. وفي الإطار الزمني نفسه، الحكومة السعودية بحاجة إلى المزيد من المال لتوفير الرفاهية لمواطنيها، خاصة في مساعدة البطالة، والتعليم، والصحة.
وبوجود مال أقل للإنفاق واحتمال علاقة أكثر سلاما مع إيران، فإن الحكومة السعودية ستكون أقل ميلا للإنفاق على مشتريات الأسلحة الضخمة من الولايات المتحدة أو أي مكان آخر. وسوف تكون الحكومة أيضا غير قادرة على إنفاق مليارات الدولارات  لتهدئة الأوضاع في قطاعاتها السكانية المضطربة، كما فعل الملك عبد الله ردا على الربيع العربي عام 2011. فإذا تحققت هذه التوقعات، ستضطر الحكومة السعودية للحد من دعمها للمتشددين السنة في البحرين. وعندئذ سيضطر آل خليفة للاستجابة لمطالب شعبهم من أجل الديمقراطية والعدالة دون الدعم السعودي. حاليا، العلاقات بين الولايات المتحدة والبحرين تبدو أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بالعلاقات الأمريكية- السعودية بسبب الاقتصاد السعودي المتغلغل والنفوذ الأمني في البحرين. وكلما تغيرت موازين القوى في المنطقة على مدى العقد المقبل، وكلما أعادت الولايات المتحدة النظر في مصالحها الاستراتيجية والتزاماتها في المنطقة،  فإن آل خليفة بحاجة للبحث عن استراتيجيات من أجل إصلاح حقيقي وعدالة اقتصادية واجتماعية. والتحدي الرئيسي هو إذا ما كان لآل خليفة متسع من الوقت للانتظار حتى ذلك الحين. فنافذة الحوار قد تغلق في وقت أقرب بكثير. فاذا ما حدث ذلك، فإن الدعوة إلى تغيير النظام سوف تتفوق على الدعوة إلى الحوار. البحرين اتخذت أهمية أكثر من  حجمها في العامين الماضيين بسبب الصراع على السلطة بين إيران والمملكة العربية السعودية، وعندما، يخف هذا الصراع، ستعود البحرين مرة أخرى لتكون لاعبا صغيرا في تكوينات القوى الإقليمية.

المرآة: كيف تقيمون القوى المؤيدة للديمقراطية والحركة الديمقراطية في البحرين؟

نخلة: مثل كل حركة احتجاج عربي في العامين الماضيين، الانتفاضة المؤيدة للديمقراطية في البحرين بدأت تطالب سلميا بإصلاح سياسي حقيقي ومساءلة الحكومة. ومثل كل نظام وقعت احتجاجات ضده، لجأ آل خليفة إلى العنف والقمع. وكلما أصبحت الحملة أقسى وأكثر دموية، وكلما أثارت الحكومة السنية لآل خليفة العنف ضد الطائفية الشيعة وأطلقت النار وضربت المتظاهرين السلميين وعذبت السجناء، فإن البعض في الحركة المؤيدة للديمقراطية بدأ يتساءل عما إذا كانت العائلة الحاكمة مهتمة في التوصل إلى تسوية مع المعارضة. الدعوة إلى العدالة والكرامة في دوار اللؤلؤة في المنامة كان لا يختلف عن تلك الموجودة في ميدان التحرير في القاهرة. ومع ذلك  ردود فعل الديكتاتور المصري و آل خليفة كانت تختلف اختلافا كبيرا. فمبارك كان مقتنعا في التنازل عن العرش قبل اراقة المزيد من الدم، في حين أن آل خليفة، وخاصة رئيس الوزراء، يواصل تشبثه بالسلطة. وعلى الرغم من أن الحركة البحرينية المؤيدة للديمقراطية هي حركة أصيلة وحقيقية، فإنها ليست متجانسة. فهي تتكون من الكثير من الجماعات الشيعة والسنة، الدينية والعلمانية، تتراوح بين الوفاق إلى وعد، والمنبر، وحق وآخرين. وكلما أصبحت المواجهات مع الحكومة أكثر عنفا، فإن بعض المعارضة بدأت باختيار العنف كرد فعل مبرر لقمع الحكومة.
آخرون رفضوا العنف  واستجابوا لبعض دعوات الحكومة للحوار. وهناك أيضا فجوة من حيث الأجيال داخل الانتفاضة، مع جيل شبابي يصبح أكثر دعما للعنف ويعارض الحوار. ويبدو أن الوفاق قد فقدت البعض من نفوذها، والحركات العلمانية السنية أصبحت أكثر تهميشا. والحركة الديمقراطية تنقسم فكريا وجيليا. بعض الفصائل ما زالت تأمل ببحرين صالحة ديمقراطيا تحت مظلة الملكية «الدستورية"» لآل خليفة ولكن من دون رئيس الوزراء الحالي.  الآخرون، الذين يعتبرون أن إقامة نظام ملكي دستوري أمرًا غير واردٍ للغاية، قد خرجوا لأجل تغيير النظام. وعلى الرغم من الخلافات العميقة داخل الحركة الديمقراطية على الاستراتيجيات التي يجب اتباعها، فإن معظم الفصائل توافق على أن الوضع الحالي في البحرين غير قابل للاستمرار. فحكم آل خليفة لا يستطيع أن يحكم قبضته على السلطة كما كان قبل شباط/فبراير 2011.

المرآة: كيف تقيمون استخدام النظام إيران كتكتيك مخيف لكسب الدعم الغربي في حملته ضد المعارضة؟

 
نخلة: الحركة الديمقراطية وحركة حقوق الإنسان في البحرين لم تكن أبدا بسبب الشيعة أو بسبب إيران رغم ادعاءات النظام خلاف ذلك.  الدعوات إلى الإصلاح السياسي وحقوق العمال بدت منذ عقود خلت عندما كانت إيران لا تزال في عهد الشاه. معظم الشيعة البحرينيين لا يتخذون آيات الله الإيرانيين كمراجع لهم. في الواقع، البحرينيون الشيعة في معظمهم يتبعون الزعماء الدينيين العراقيين في النجف وكربلاء كمراجع. منذ قدوم الربيع العربي، وحكومة آل خليفة تردد ذريعة مموليهم السعوديين أن إيران تقف وراء حركة الاحتجاج في دول مجلس التعاون الخليجي. وأما الغرب فيعتقد أن المدافعين عن حقوق الإنسان في البحرين، والمملكة العربية السعودية والكويت وعمان وأبو ظبي وغيرها من المجموعات الأصيلة ليست موجهة بالضرورة أو مسيطر عليها من قبل طهران. ولكن الاضطرابات المستمرة في الخليج العربي يمكن أن يكسب إيران مصالح قصيرة الأجل، فالنظام الإيراني الحالي متوجس من الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية لئلا تتوسع إلى إيران.
الجمهورية الإسلامية لا تريد أن ترى تكرار الاحتجاجات الضخمة في حزيران/يونيو 2009 التي أعقبت الانتخابات. إيران فقدت بالفعل الكثير من نفوذها في العالم العربي بسبب دعمها لنظام الأسد في سوريا.  حتى حزب الله الشيعي فقد الكثير من بريقه في الشارع العربي الذي أقامه في أعقاب حرب لبنان عام 2006 بسبب دعمه للأسد. حجة الحكومة البحرينية بأن إيران تقف وراء الاضطرابات لم تحصل على أي جاذبية بين واضعي السياسات في واشنطن، ولندن، وعواصم غربية أخرى. خلافات الغرب مع إيران والعقوبات الدولية عليها هي بسبب برنامج إيران النووي، وليست من دعمها المتصور للاضطرابات الداخلية في الدول العربية السنية. شبح ما يسمى بالهلال الشيعي الذي أثارته السعودية ومصر مبارك، والأردن قبل بضع سنوات قد تلاشى. في الواقع، العديد من المحللين في الغرب يقولون الآن إن " الهلال السني " في صعود في العالم العربي، وإن إيران أصبحت أكثر عزلة في المنطقة.

  • ببلوغرافيا:
الدكتور إميل نخلة استشاري مستقل وعضو في مجلس العلاقات الخارجية، أعرق مراكز التفكير وأكثرها  تأثيراً ونفوذاً في صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية. كان يعمل في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية حتى عام 2006، ولمدة 15 سنة. خدم في الوكالة ككبير ضباط المخابرات، ورئيس وحدة التحليل الإقليمي في مكتب الشرق الأدنى وجنوبي آسيا، ومدير لبرنامج التحليل الاستراتيجي للإسلام السياسي. وقبل التحاقه بوكالة المخابرات، عمل باحثاً مقيماً وكبيراً للمحللين لدى وزارة الخارجية الأمريكية. وقبل ذلك، عمل أستاذاً ورئيساً لقسم العلوم السياسية في كلية ماونت سانت ماري، بولاية مريلاند. وألقى سلسلة من المحاضرات في معظم بلدان الشرق الأوسط وكذلك ألمانيا وبريطانيا وكندا والمكسيك واليابان وأستراليا.

تتضمن اهتماماته البحثية قضايا الإسلام السياسي والحكم في الشرق الأوسط، القضية الفلسطينية، وعلاقات الولايات المتحدة بمنطقة الخليج العربي والشرق الأوسط والعالم الإسلامي، استقرار النظم، والإصلاح التعليمي والسياسي. وقد نشر أكثر من ثلاثين دراسة في دوريات علمية مختلفة. كما ألف العديد من الكتب، منها: "انخراطٌ ضروري: إعادة اختراع علاقات أمريكا بالعالم الإسلامي" (برنستون، نيوجيرسي: منشورات جامعة برنستون، 2009)، "مجلس التعاون الخليجي: السياسات والمشكلات والإمكانات المستقبلية" (وست بورت، كونيكتيكيت: مطبوعات بريجر، 1986)، "الخليج العربي والسياسة الأمريكية" (وست بورت، كونيكتيكيت: مطبوعات بريجر، 1982)، "أجندة فلسطينية للضفة الغربية وغزة" (واشنطن: معهد الأعمال الأمريكي، 1980)، و"التنمية السياسية في البحرين" (وست بورت، كونيكتيكيت: مطبوعات بريجر، 1976. ترجم إلى العربية ونشر ببيروت عام 2006). كما ساهم بفصول في عدة كتب، أحدثها "التعاون المخابراتي: الفرص والمخاطر"، في: ستيف سانج (محرر)، مواجهة الإرهاب الدولي: البحث عن إطار فكري بديل (وست بورت، كونيكتيكيت: مطبوعات بريجر، 2009). 

حصل الدكتور نخلة على عدة جوائز، منها تعيينه زميل أبحاث أول في ناشيونال إنداومنت فور هيومانيتيس، وأستاذاً زائراً في جامعة بير زيت، وباحثاً زائراً في مركز ودرو ويلسن الدولي للباحثين، وحصل على منحة فول برايت للأبحاث. كما حصل على عدة ميداليات تكريمية من وكالة المخابرات الأمريكية، مثل ميدالية المدير وغيرها. وقد ورد اسمه في كتاب المشاهير في أمريكا.  وقد حصل إميل نخلة على الدكتوراه في العلاقات الدولية من الجامعة الأمريكية، والماجستير في العلوم السياسية من جامعة جورج تاون، وبكالوريوس العلوم السياسية من جامعة سانت جونز بولاية مينسوتا.الدكتوراه في العلاقات الدولية من الجامعة الأمريكية، والماجستير في العلوم السياسية من جامعة جورج تاون، وبكالوريوس العلوم السياسية من جامعة سانت جونز بولاية مينسوتا.


التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus