جزيرة السجن

18/06/2012م - 3:34 ص - 3842 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق



توم مالينوسكي، فورين بوليسي
ترجمة :مرآة البحرين

المنامة، البحرين – عندما كان انفرط عقد الصبيان عند أول الطابور، كذلك انفرط عقدنا. وكنا أنا وزميلي  قد رصدنا مسيرتهم الليلية في الدراز، ضاحية من الضواحي القديمة والفقيرة للمنامة، والتي غالبية سكانها من الشيعة. كان يمشي المراهقون والشباب  من الأمام، والنساء اللواتي يرتدين العباءات السوداء من ورائهم، وهم يهتفون " يسقط حمد" -  ملك البحرين. وكان هدف الاحتجاج هو انتقاد سباق الفورميولا ون الذي ستنظمه العائلة الحاكمة في البحرين في أواخر نيسان/أبريل لتظهر للعالم أن كل شيء على ما يرام في المملكة الخليجية بعد الحملة الشرسة ضد المعارضة، وبعد مرور أكثر من عام على الاضطرابات.

كما شاهدنا شباب الدراز وهم يسلكون طريقهم سلميا نحو الشارع الرئيسي. حيث كانت شرطة الشغب تنتظرهم هناك. ربما كان ينبغي علينا الصمود، لأن الشرطة كانت تطارد أولئك الذين كانوا يركضون. ولكن عندما تريد البحرين أروع قمع للمظاهرات، فإنهم غالبا ما يطلقون رصاص صيد الطيور (الشوزن) والقنابل الغازية على الحشد مباشرة. والكلمات السحرية " أنا أمريكي" لديها فعالية أقل بكثير من بندقية الشغب.

ولذلك عدونا مسرعين مع مشاركي المسيرة المتشتتين إلى نهاية زقاق مظلم، ومن ثم إلى آخر. وعندما أصبح من الواضح أن الحي قد حوصر، آوينا إلى أحد المنازل. داهمت الشرطة المكان ورشت أعيننا برذاذ الفلفل، قلت الكلمات السحرية، التي بدا أنها هدأت الأمور، على الرغم من أننا سمعنا صرخات قادمة من أجزاء أخرى من المنزل.

 في مركز الشرطة، انتظرنا حتى تحققوا من إذن دخولنا إلى البلاد. في الخارج، أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع  على أمهات الصبيان  الذين اعتقلوا معنا، واللواتي أتين للمطالبة بإطلاق سراح أبنائهن. طار الغاز إلى مركز الشرطة. الجميع - الشرطة والمتظاهرون، ونحن الاثنين الأجانب - ذقنا مرارة حملة البحرين على المعارضة وردة فعلها السلبية التي لا ترحم.
 
بعد ذلك بيومين، التقينا باللواء طارق الحسن قائد الأمن العام في البحرين. تجاذبنا معه أطراف الحديث عن تجربتنا، وأكدنا له عدم الإساءة  لنا. ولكن أخبرناه عما سمعناه من العائلات في قرية قريبة من الدراز. حيث تم القبض على أبنائهم بعد مظاهرة  نظمت في وقت سابق من هذا الأسبوع، وتم نقلهم إلى مركز الشرطة نفسه حيث اعتقلنا. ظاهريا، قصتهم هي نفسها التي كانت للمحتجين الذين ألقي القبض عليهم معنا، مع وجود استثناءين : لا أجانب يشاهدون، ووفقا لعدد من شهود العيان، تعرضت لهم الشرطة بالضرب الوحشي بعد إلقاء القبض عليهم، وألقت بالبعض منهم من فوق سطح أحد المباني إلى شرفة مجاورة.

في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، كان للبحرين فرصة ذهبية لوضع حد لهذا النوع من وحشية الشرطة إلى الأبد. كان الملك حمد قد عين لجنة البحرين المستقلة للتحقيق برئاسة القاضي الدولي المحترم شريف بسيوني، للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت عندما تم قمع الحركة المؤيدة للديمقراطية في البلاد العام الماضي. كتب بسيوني تقريرا نزيها، يوثق اعتقال وتعذيب زعماء المعارضة ويحث على إصلاحات بعيدة المدى لمعاقبة المسؤولين عنها ووقف انتهاكات حقوق الإنسان. والحق يقال، قبل الملك التقرير وتعهد بتنفيذه. والحكومة أسقطت التهم الموجهة ضد بعض المعارضين المتهمين بـ "جرائم "  الخطاب، وأعادت الكثير ممن تم فصلهم من أعمالهم ومدارسهم بسبب حضور الاحتجاجات، وقللت من سوء المعاملة  للسجناء في مراكز الاحتجاز الرسمية.
 
ومنذ ذلك الحين، تبدد الزخم. لم يكن هناك أي استئناف حقيقي للحوار بين الحكومة والمعارضة لمتابعة ما وافق عليه المعتدلون من الجانبين - الملكية الدستورية التي هي الحل الوحيد القابل للتطبيق في أزمة البحرين -  والتي يتم فيها اختيار وزراء الحكومة من قبل برلمان منتخب بدلا من تعيينهم من قبل الملك. هذا الإجراء يعطي بالضرورة الأغلبية الشيعية في البحرين إدارة أكبر للبلاد، وهذا الاحتمال هو لعنة بالنسبة إلى البعض في الأسرة الحاكمة في الجزيرة، فضلا عن داعميها في المنطقة.

لم تقم الحكومة أيضا بانهاء انتهاكات حقوق الإنسان ضد المتظاهرين. كما رأينا خلال زيارتنا، فالتعذيب والإساءة من قبل  الشرطة قد انتقل ببساطة من مراكز الشرطة إلى الكثير من أزقة القرى الشيعية والمساحات الفارغة فيها. وافقت المحاكم على إعادة محاكمة زعماء المعارضة الرئيسيين، ولكن الحكومة ما زالت ترفض الإفراج عنهم، على الرغم من أن إدانتهم لم تكن مستندة إلا على مضمون خطاباتهم ومشاركاتهم في الاجتماعات والمسيرات التي تطعن بالحكم الملكي. وأيضا، للمرة الأولى منذ شهور، لا علامة فارقة قريبة – ولا تعيين للجنة، أو إصدار لتقرير، أو تلبية لموعد – يعطي القادة المعتدلين سببا للطلب من الناس التحلي بالصبر. إن غياب الأمل يجعل كلا الطرفين متطرفين.

أقنعت الرسائل الدؤوبة في وسائل الإعلام الرسمية العديد من مؤيدي النظام الملكي السني من أن دعوات المعارضة للديمقراطية هي مؤامرة إيرانية لفرض حكومة دينية شيعية في البحرين. البعض طالب الملك رفض أي تسوية. بالإضافة إلى ذلك، هناك همسات متزايدة حول جماعات جهادية سنية تستفيد من هذه المخاوف لكسب موطئ قدم في الجزيرة. وفي نفس  الوقت، تعرض المتظاهرون، في معاقل المعارضة، للضرب والغازات والتي لم تولد إلا تصميما وغضبا أكبر لمواجهة الشرطة. وفي هذا المناخ، أشد الصبيان، الذين يقاتلون، أصبحوا الأبطال. وقادة المعارضة الذين يدعون إلى السليمة أصبحوا مهمشين.
 
في وزارة الداخلية، عرض لنا مسؤولون في الشرطة مقاطع فيديو لمحتجين كانوا يقذفون قنابل حارقة على الشرطة. وفي بداية مسلسل تلك المقاطع، كانت  قنابل الغاز تلقى من مسافة بعيدة، وكلما مرت الأسابيع اقترب المتظاهرون، حتى أصبحوا مباشرة وجها لوجه مع أفراد الشغب قبل أن يغرقوهم بالنيران. أراد المسؤولون أن يظهروا لنا ما عانته شرطتهم، ونجحوا في ذلك. وعن غير قصد، أظهروا لنا أيضا أن أساليبهم القمعية فاشلة. فالمتظاهرون لا يتراجعون – إنهم يفقدون خوفهم.

تتكون قوات الشرطة في البحرين بغالبيتها من أجانب سنة، مجندين من دول مثل سوريا وباكستان واليمن. تم إرسالهم  لإخضاع الأحياء الشيعية التي هي أرض غريبة، ويبدو أنهم حائرون من الشباب الذين يهاجمونهم كل ليلة. وقد يكون البعض أيضا قد نقل نعرات بلده إلى كفاح البحرين. قال لي طالب جامعي بحريني أنه بعد إلقاء القبض عليه في مظاهرة، أحد رجال الشرطة السوريين، ومن الواضح أنه كالغالبية السنية في هذا البلد، ضربه وهو يصيح، "هل تحب بشار الأسد؟ إنه يقتل عائلتي".

إذا تأمل الملك حمد كسر هذه الحلقة المفرغة من العنف، فإن عليه أن يفرض السلطة التي يحرص جدا للحفاظ عليها وأن يجعل بادرة جريئة في وقت قريب، حتى مع خطر إغضاب المتشددين من أسرته ومؤيديه. وإن أفضل طريقة للقيام بذلك يكون بإطلاق سراح من بقي من زعماء المعارضة من السجون، بما في ذلك عبد الهادي الخواجة، بطل متظاهري الشيعة الشباب الذي ما زال في إضراب عن الطعام لأكثر من 80 يوما. فإذا أفرج عنهم، وأعطوا نصيبهم في العملية السياسية، قد يكون لهؤلاء الزعماء السلطة المعنوية لتهدئة مؤيدي المعارضة واستعادة ثقتهم في النضال السلمي.

المتشددون في العائلة الحاكمة لا يريدون إطلاق سراح هؤلاء الرجال لأن البعض منهم يدعو لاستبدال النظام الملكي بدلا من إصلاحه. ولكن قد يكون هناك عامل آخر: على الرغم من أن معظم السجناء المتبقين الرفيعي المستوى هم أكثر تشددا من قادة جمعية الوفاق، الحزب الرئيسي القانوني للمعارضة الشيعية في البحرين، ويمكن القول أن بعضهم أيضا أكثر علمانية. أحدهم يدعى، إبراهيم شريف، وهو زعيم سني من حزب اليسار العلماني، وآخر، عبد الجليل السنكيس، وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان والزعيم السياسي الذي كان تلميذاً لسفير الولايات المتحدة إلى روسيا في عهد الرئيس باراك أوباما، مايكل ماكفول، في جامعة ستانفورد.

والمتشددون في الحكومة يريدون للعالم أن يعتقدوا أن الصراع طائفي تماما في البحرين، بين كل السنة من جهة  وكل الشيعة  - الذين تتلاعب بهم إيران- من جهة أخرى. هذا يساعدهم بالحصول على الدعم المتزايد من قاعدتهم ومن الممالك السنية الأخرى، في حين أنها تجعل الحكومات الغربية قلقة من حركة الاحتجاج. وهي تتيح لهم إعطاء الذريعة كما قال لي أحد الوزراء في الحكومة: " الملك يريد حكومة منتخبة، ولكن أولا نحن بحاجة إلى معارضة غير طائفية".

وفي الوقت نفسه،  يبقون بعض أقوى قادة الفكر العلماني في السجن.

بعض النقاد في إدارة أوباما يتهمونها بالتحيز إلى العائلة الحاكمة في البحرين والسكوت عن قمعها. وأما الحقيقة فهي أكثر تعقيدا. في العام الماضي، حاول مسؤولون من وزارة الخارجية قصارى جهدهم  للتوصل إلى تسوية بين الحكومة والوفاق، الصفقة التي تداعت في نهاية المطاف. عندما أصدر الملك مرسوما بفرض حكم الطوارئ، ساعدت الولايات المتحدة في إقناعه بعدم حظر حزب المعارضة، وبعد ذلك تعيين لجنة بسيوني وإطلاق سراح العديد من المعتقلين. لكن بعض البحرينيين في المعارضة لم يمنحوا الولايات المتحدة أي مصداقية لأفعالها لأنها مارست الضغط بهدوء، مخفف دائما بتعهدات علنية بالولاء للشراكة بين الولايات المتحدة والبحرين. على النقيض من إدانة أمريكا للانتهاكات في سوريا وليبيا، والتي هي بالنسبة لهم، واضحة ومؤلمة. وكما قال احد الشخصيات المعارضة الأكثر شعبية في البحرين، نبيل رجب: "الحكومات الغربية دعمت الثورات الأخرى، وهم شديدون ضد الحكام المستبدين، نحن نريد سياسة واحدة، لا نريد أن نعامل بشكل مختلف".

البحرين تعامل معاملة مختلفة، بالطبع، لأنها تستضيف الأسطول الأمريكي الخامس، الذي يساعد الولايات المتحدة في إظهار قوتها في الخليج واحتواء إيران. وقد دعم قادة الجيش الأمريكي وزارة الخارجية  في حث الملك حمد للقيام بالإصلاح، ولكنهم يمتنعون عن أي بيان أو عمل يمس بقاعدتهم. في حين أنهم يعترفون بأن قمع البحرين لسكانها الشيعة يلعب لصالح إيران، إنهم قلقون بشأن ما سيحدث إذا فاز الشيعة بحقوقهم. ولقد أخبرني أحد قادة القوات الأمريكية في الآونة الأخيرة: " لو أن هناك صوتاً واحدا لكل فرد في البحرين، لما كنا هنا".

في الواقع، إن معظم القادة البارزين في حركة المعارضة في البحرين يقولون إنهم لا يعارضون وجود الجيش الأمريكي في بلادهم. لا أحد يعرف ما إذا كان هذا الشعور سيبقى في ظل القمع المستمر، ولكن من وجهة النظر الأمريكية، هو حجة للإلحاح على مطالب الإصلاح، وليس الحذر. فليس من المحتمل أن تبقى الأغلبية الشيعية في البحرين مكبوتة إلى الأبد. فمن المؤكد أن من مصلحة الولايات المتحدة أن ينظر إليها وهي تدعم تطلعاتهم المشروعة قبل أن تؤول خيبة الأمل في الولايات المتحدة  إلى غضب.

المشكلة مع سياسة الولايات المتحدة تجاه البحرين ليست لانها تأخذ في الاعتبار العوامل الجيوسياسية. إنما المشكلة هي أن المسؤولين الأمريكيين قد يكونون يحسبون الجيوسياسية بشكل غير صحيح. هناك شعور متزايد في الشرق الأوسط بأنه قد تكون خطابات أوباما الحماسية والرفيعة المستوى حول الديمقراطية هي أن الولايات المتحدة سوف تصطف دائما مع حلفائها السنة المستبدين في الخليج ضد خصومهم، لا سيما إذا كان هؤلاء الخصوم من الشيعة. بالنسبة للكثيرين، يبدو أن معارضة  الولايات المتحدة للديكتاتوريين مثل الأسد في سوريا  ليس لمصلحة الشعب المقهور، ولكن لمساعدة طرف في من طرفي الحرب السعودية –الإيرانية الباردة. الحكومة الإيرانية وكل مجموعة معادية للولايات المتحدة في المنطقة تستفيد من هذا التصور. والبحرين هي المكان الذي يمكن لأمريكا دحضه.

في أيار/مايو 2011، أدان أوباما استخدام الحكومة البحرينية "القوة الغاشمة"، وقال إنه لن يكون هناك "حوار حقيقي" في البحرين "عندما تكون بعض من المعارضة السلمية في السجن". اليوم يتعين على الإدارة أن تظهر ذلك النوع والإلحاح إظهاراً أكثر – من أجل المبدأ والمصلحة الوطنية. ينبغي على مبيعات الأسلحة إلى البحرين أن تبقى معلقة حتى تخفف الحكومة القيود على الاحتجاج السلمي واستئناف الإصلاحات السياسية. ولئن كان صحيحا أن الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة والبحرين يعطيها درجة من النفوذ مع الأسرة الحاكمة، فقد حان الوقت لنقل ما هو صحيح أيضا - إن الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة لن يكون مستداما إذا ما استجابت الحكومة للاحتجاج عن طريق تكثيف القمع العنيف إلى حد لا يطاق. إذا كان حكام البحرين يعتقدون أن الولايات المتحدة ستواصل الاعتماد عليهم بغض النظر عما يفعلونه، فمن المحتمل أن يحظوا باهتمام أقل من الولايات المتحدة. وإظهار الاستعداد لإعادة النظر في الشراكة قد يكون أفضل وسيلة لحفظها.

حين أطلق سراحنا من الاحتجاز، خرجنا إلى فناء مركز الشرطة، حيث  كان رجب، الناشط، في انتظارنا. وقد قال لي شاب  قابلته في وقت لاحق إن الشرطة أجبرته على أن يصرخ "يسقط نبيل رجب" وهم يضربونه بعد اعتقاله. لكن هنا كان رجب، طلق المحيا بحديثه مع رجال الشرطة والمسؤولين الحكوميين. وفي مكان قريب، كان مدون معروف قد اعتقل معنا يناقش بهدوء مسؤولا في الشرطة  كان مستاءً لأن الناشط قد اتهمه على تويتر بممارسة التعذيب.
 
البحرين محطمة تقريبا، ولكن ليس كليا. الحكومة تعمل على اضطهاد منتقديها، ولكنها لا تقتلهم على نطاق واسع كما هو الحال في سوريا. وكما قال لنا جميع من التقينا بهم، البحرين بلد صغير: أبطال الرواية في كلا الجانبين يعرفون بعضهم بعضا، ويبدو أنه ما زال هناك  مجال لتسوية. ولكن النافذة تغلق بسرعة، وبمجرد أن تغلق - كما هو الحال في سوريا - فإنه سيكون من الصعب العودة إلى الوراء. ومنع هذه النتيجة يكون من خلال التزام البحرين بالالتزامات التي تعهدت بها للجنة بسيوني، وتشجيع التسوية السياسية، والتي هي مصلحة أمريكا القصوى في البحرين.

7 أيار/مايو 2012
رابط النص الاصلي



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus