مارك أوين جونز: من جنيف إلى لندن: كيف تحاول البحرين اللعب بحقوق الإنسان في الساحة الدوليّة

مارك أوين جونز - أوريينت XXI - 2017-10-25 - 12:07 م

ترجمة مرآة البحرين

في 15 يناير/كانون الثاني 2017 أُعدِم ثلاثة شبّان بحرينيين وهم علي السنكيس (21 عاما) وعباس السميع (27 عاما) وسامي المشيمع (42 عاما) لدورهم المزعوم في تفجير حدث في المنامة عام 2014 وأدّى إلى مقتل ثلاثة من رجال الشرطة.

الثياب التي تمّ إعدام الشبان الثلاثة وهم يرتدونها، أرسلت ملطّخة بالدماء ومملوءة بالثقوب، إلى عوائلهم بعد إعدامهم. وبينما تم تداول مقاطع الفيديو لأجسادهم في حين كانت تُحضّر لمراسم الدفن، قام أحد الفنانين بابتكار رسم مدهش يجسّد الشكل الذي رسمته الرصاصات التي أطلقت على صدر كل منهم، وتم تداول الصورة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقالت المقررة الأمميّة الخاصّة بشؤون القتل خارج إطار القانون، آغنس كلامارد، إنّهم قُتلوا خارج إطار القانون.

وحدث هذا الإعدام قبل شهر فقط من الموعد النهائي المحدّد للبحرين لتسليم تقريرها إلى الاستعراض الدوري الشامل (UPR) في فبراير/ شباط 2017.

إنّ الاستعراض الدوري الشامل (UPR) والّذي يعمل كمدقّق لسجلّات حقوق الإنسان في الدول الأعضاء بالأمم المتّحدة، هو أيضًا منتدىً لمناقشة "أفضل الممارسات" المتعلّقة بحقوق الإنسان.

تعكس هذه التسميات المؤسسيّة الطابع "السريري" إلى حد ما للعملية، إذ تُدعى الدول الأعضاء وغيرها من "أصحاب المصلحة" إلى إصدار توصيات بشأن كيفية تحسين الوضع الحقوقي في بلدهم.

ومُنحت البحرين حتّى سبتمبر/أيلول 2017 للرد على التوصيات التي تلقّتها في مايو/أيّار 2017. وبالنظر إلى أحداث يناير/كانون الثاني 2017، فإنه من غير المستغرب أن تتّسم التوصيات بالتركيز على إلغاء عقوبة الإعدام. وأوصى ما لا يقل عن ست عشرة دولة إمّا بإلغاء هذه الممارسة أو وقفها. إنّ القلق بشأن عقوبة الإعدام في البحرين هو أمر مستمر، لكن عام 2017 كان أحد أكثر الأعوام دمويّة في تاريخ البحرين من حيث عمليات الإعدام.

كانت آخر عملية إعدام في البحرين في عام 2010، ولكن آخر مرة أعدم فيها عدد كبير من الأشخاص دفعة واحدة كانت في مارس/ آذار 1977،عندما أُعدم ثلاثة رجال بسبب القتل المزعوم بدوافع سياسيّة لعبد الله المدني. وحتى في فترة التسعينات من الانتفاضة في البحرين، عندما اتهمت قوات الأمن البحرينية مرة أخرى بحالات متكررة من القتل خارج نطاق القانون والتعذيب، أعدم بأمر رسميّ رجل واحد هو عيسى قمبر.

 

المنظمات غير الحكوميّة المشكّلة من الدولة: تبييض الانتهاكات

بالنسبة لدول مثل البحرين، ذات سجل طويل من انتهاكات حقوق الإنسان، يمكن أن يتوقع المرء بأنها بلد مصائب، لكن الدول الاستبدادية وحلفاءها غالبًا ما يكونون مبتكرين عندما يتعلق الأمر بالتحايل على آليات تعزيز المساءلة. وبالنسبة لبلد صغير إلى هذا الحد، هناك عدد غير عادي من المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان في البحرين لتثني عليها، وكثير منها منخرط في تبييض انتهاكات حقوق الإنسان.

خلال الاستعراض الدوري الشامل، تقدم هذه المجموعات تقارير لتؤخذ بعين الاعتبار. إلا أن الكثير من هذه المنظمات غير الحكومية مشكّلة أساسا من قبل الحكومة (GONGOS). وتوفّر هذه المنظمات قشرة رقيقة من المصداقية للمجتمع المدني في محاولة لإضفاء الشرعية على السجل الحقوقي لحكوماتهم التي تنتهك حقوق الإنسان. وفي البحرين، تشمل هذه المنظمات جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان، ومركز المنامة لحقوق الإنسان.

وتتميز التقارير التي قدمتها هذه  الجمعيات في الاستعراض الدوري الشامل بعدم وجود نقد جوهري للنظام. بدلًا من ذلك، فإنها تركز على توصيات عامة غير سياسية، مثل الموافقة على تعديل القانون الجنائي بحيث لا يمكن تنفيذ أحكام الإعدام بحق النساء الحوامل، على سبيل المثال.

ومن بين التقارير، يُقدم أيضًا تقرير وطني. وفي الكثير من الدول، يتم ذلك من خلال مشاورات دقيقة ومناسبة مع العديد من منظمات المجتمع المدني الشرعية.

ولكن في البحرين، التي غالبًا ما تكون منظماتها غير الحكومية التي تنتقد الحكومة موجودة في المنفى، فإن الجهاز [الرسمي] المسؤول عن ذلك هو المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان. وقد انتُقدت هذه المؤسسة التي أنشأت في عام 2009، من قبل مجموعات مثل مركز البحرين لحقوق الإنسان لعدّة أسباب، ولكن أهمّها أن جميع أعضاء هذا المعهد الـ 11 يتم تعيينهم من قبل الملك، وبالتالي يفتقرون إلى الاستقلالية.

وفي حين أن إغفال انتهاكات حقوق الإنسان أو التعتيم عليها من قبل هذه المنظمات غير الحكومية المشكّلة من الحكومة هو بحد ذاته شكل فظيع من أشكال الرقابة، فإن هذه المنظمات تكون في بعض الأحيان صارخة في دعمها لإجراءات تتعارض بشكل واضح مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. وتصدّرت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان العناوين الرئيسة في الأوساط الحقوقية في يناير/كانون الثاني عندما أصدرت بيانًا تؤيد فيه تنفيذ حكم الإعدام بحق البحرينيين الثلاثة الذين قُتلوا في ذلك الشهر. كما أنها أشادت بقانون البحرين المريب لمواجهة للإرهاب، والذي تعرض للانتقاد لتعديه على حرية التعبير والتجمع.

ومما لا يثير الدهشة، أن تقوم الجمعيات المدعومة من الحكومة "جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان" و"مركز المنامة لحقوق الإنسان"، بلفت الانتباه إلى قضايا هامة معيّنة مثل قانون الأحوال الشخصية الذي يؤثر على النساء الشيعة في البحرين، في حين تتجاهل تمامًا أي ذكر لعقوبة الإعدام في التقرير الذي قدّمته في مايو/ أيار 2017.

وبعيدًا عن أداء المجتمع المدني الزائف في الاستعراض الدوري الشامل، نجد هناك أشد أشكال الترهيب والإقصاء. لدى انعقاد مجلس حقوق الإنسان، يذهب ممثلون عن الحكومات ومختلف المنظمات غير الحكومية الشرعية إلى جنيف للإثناء على إنجازات البحرين وانتقادها معا. وكمثال على ذلك، فإن حلفاء البحرين المقربين يقدمّون فقط دعما غامضا وغير ملزِم. وفي عام 2012، أشارت المملكة العربية السعودية إلى أنه ينبغي للبحرين أن "تواصل التعاون مع آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أجل حماية وتعزيز حقوق الإنسان".

هي أيضًا فرصة للمواجهة والتخويف. ومنذ أصبحت الحكومة البحرينية أكثر تنبّها للمدافعين عن حقوق الإنسان الذين ينخرطون في هذه الدبلوماسية شبه الرسمية في جنيف، قامت بفرض قيود على حريتهم في التنقل، إذ أصدرت حظر سفر للمشتبه بأنّهم يتوجّهون إلى جنيف، أو رتّبت جلسات تحقيق في النيابة العامة في التواريخ التي يُفترض أن يكون فيها المدافعين عن حقوق الإنسان في جنيف لحضور الجلسات.

البعض بلّغ عن عمليات ترهيب من مسؤولي الحكومة البحرينية أثناء وجودهم في مقر الأمم المتحدة بجنيف. وخلال فعاليّة جانبيّة عقدتها جمعيّة أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين في عام 2015، أفاد عبد النبي العكري، رئيس جمعية الشفافية في البحرين، وحسين عبد الله المدير التنفيذي لمنظمة أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين، بأنهم تعرضوا للتهديد من قبل نائب بحريني ومن ثم من قبل رئيس لجنة البحرين حقوق الإنسان خالد الشاعر. وخلال الفعالية الجانبية، قال الشاعر لـ عبد الله: "أعرف أنه لا يزال لديك عائلة تقيم في البحرين، ويمكنك أن تتخيل ما كان سيحدث لهم [عائلته]، إذا كانت الحكومة سيئة حقًا". وأفاد العكري وعبد الله أيضًا بأن الوفد كان يلتقط صورًا لهم.

 

وسائل أخرى لتجنب المساءلة

إن عملية تجنب المساءلة هي أداء يمتد من جنيف إلى البحرين. إنّ الطريقة التي يحاول بها النظام البحريني "لعب" هذه الآليات تميل إلى التأكيد على انتهاكات حقوق الإنسان بدلًا من إخفائها. وبعيدًا عن ذلك، تعتمد البحرين أيضًا على حلفاء مؤثرين للمحاربة من مكانها، وتوفير غطاء سياسي على الساحة الدولية.

إن الصداقة الخاصة مع المملكة المتحدة، بالإضافة إلى انتخاب دونالد ترامب مؤخّرا، لها صدىً خاص في البحرين، ويمكن القول إنها تسمح باستمرار انتهاكات حقوق الإنسان. بالنسبة للمملكة المتحدة، تبقى البحرين شريكًا تجاريًا مهمًا للأسلحة والصادرات الأخرى. وسيكون ذلك صحيحًا خاصّة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إذ سترغب المملكة المتحدة بتأمين أشرعة أكثر ربحًا مع الأنظمة الاستبدادية لتعويض العجز التجاري المحتمل بعد مغادرتها الاتحاد الأوروبي.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ إصلاح الأنظمة الاستبدادية عمل تجاري كبير. وفي الآونة الأخيرة، كُشف مؤخرًا أنّ كلية الشرطة في المملكة المتحدة جنت نحو نصف مليون جنيه استرليني من تدريب شرطة البحرين. وكان رد وزارة الداخلية على ذلك هو أنّ تدريب الشرطة هذا يساعد ويحسن الامتثال لحقوق الإنسان والإصلاح القضائي.

وعلى الرغم من هذه الادعاءات، فإن آخر تقرير لمنظمة العفو الدولية عن البحرين، المنشور في 7 سبتمبر/ أيلول 2017، هو لائحة تتلو انتهاكات حقوق الإنسان. ويوضّح التقرير كيف أن حملة البحرين ضد أي شكل من أشكال المعارضة قد زادت بالفعل منذ عام 2016. وفي الواقع، كان عام 2017 أحد أكثر الأعوام دمويّةً في سجل البحرين. ومنذ يناير/كانون الثاني 2017، قُتل حوالي 12 مدنيًا في تفاعل مع السلطات. ويشمل ذلك الأشخاص الذين أُعدموا في يناير/كانون الثاني، ولكن قُتل كذلك عدد من الأشخاص في ظروف مشبوهة.

وفي حين تصدّرت هذه الوفيات بشكل متقطّع عناوين الصحف في وسائل الإعلام العالمية، فقد دُعّمت بتقارير مستمرة عن محاكمات غير عادلة، ومضايقات، ومراقبات، وتعذيب، وحالات اختفاء قسري، ومحدودية لحرية التعبير.

إن مساعدة الهيئات البريطانية التي تفتقر إلى المساءلة الجماعية لآليات الاستعراض الدوري الشامل وفّرت غطاءً لانعدام الإصلاح، أو إصلاحات فاترة في أحسن الأحوال. وفي التقرير الوطني المقدم إلى الاستعراض الدوري الشامل في مايو/أيار (https://www.upr-info.org/sites/default/files/document/bahrain/session_27_-_may_2017/a_hrc_wg.6_27_bhr_1_f.pdf) أشير إلى مساعدة المملكة المتحدة وموافقتها عدة مرات كتذكير عند تبرير عدم الالتزام بالتصديق على البروتوكول الاختياري لمنع التعذيب:

"تواصل الوكالات الحكومية المعنية النظر في مسألة التصديق على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، وعند وضع القدرات الوطنية، تضع الوكالات المعنية في اعتبارها الامتثال لمعايير البروتوكول وتستفيد من معرفة الخبراء الدوليين مثل مفتشية السجون في المملكة المتحدة ورابطة منع التعذيب."

 

ظلال المجتمع المدني في الدولة

وكما قالت آلاء الشهابي ولوك باتيا، فإن "الحكومة تنخرط مع حقوق الإنسان، مصنّعة ظلال مجتمع مدني يدخل في الدولة، بل ويشيد بسجلها الخاص بحقوق الإنسان. إن واجهة التحرر هذه عبارة عن دخان وهي تعرقل الجهود التي تبذلها منظمات حقوقية حقيقية تعمل محليًا ودوليًا". إنها شاشة دخان يحرض عليها حلفاء البحرين وتعمل أمام مرأى مسئولي العالم في مقر الأمم المتحدة في جنيف ويدعمها كادر من خبراء العلاقات العامة، وغالبًا ما يكون مقرهم في البلدان الغربية.

إنّ الاستبداديّة هي صناعة ذات مجسّات بعيدة المدى، وقد تأقلمت البحرين وتكيفت مع الآليات الدولية المصممة لمساءلتها. وبالنسبة لأحدث التوصيات، من المرجح أن لا تفعل البحرين شيئًا يُذكر لمعالجة قضايا مثل عقوبة الإعدام. وسيضاف أيضا على أيّ توصيات تعتمدها القليل من الملح [لتغييرها]، فكما يشير تقرير رصد من جمعيات حقوق الإنسان، فإن الكثير من تلك التوصيات التي اعتمدتها لم تُنفَّذ.

النص الأصلي

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus