إميل نخلة: مبيعات الأسلحة إلى البحرين تتناقض مع التزام الولايات المتحدة بحقوق الإنسان

إميل نخلة - موقع لوبلوغ - 2017-04-08 - 11:10 ص

ترجمة مرآة البحرين

أفادت صحيفة النّيويورك تايمز يوم الخميس الماضي أن وزارة الخارجية الأمريكية قرّرت رفع شروط حقوق الإنسان عن مبيعات مقاتلات إف 16 وأسلحة أخرى إلى البحرين، وهي مملكة صغيرة يحكمها السّنة في الخليج. ومن الواضح أنّ التّبرير الذي قدّمه وزير الخارجية ريكس تيلرسون لقراره كان أنّ البحرين هي حليف رئيسي في الحرب ضد الحوثيين الذين تدعمهم إيران في اليمن. الأسطول الأمريكي الخامس موجود أيضًا في البحرين.

لكن هذه السّياسة تُظهر بوضوح التّأثير المتزايد لجماعات الضّغط التّابعة للبحرين في واشنطن والعلاقات الوثيقة التي أسسها تيلرسون، الرّئيس السّابق لمجموعة إكسون العالمية، فضلًا عن وزير الدّفاع جايمس ماتيس وبعض الضّباط العسكريين والدبلوماسيين، في البحرين والإمارات والدّول الأخرى في مجلس التّعاون الخليجي. هذه الدّول السّنية، وأكبرها السّعودية، يحكمها ملوك قبليون ينتهكون حقوق الإنسان الأساسية لمواطنيهم بشكل صارخ، وشرس، ومنهجي.

بالإضافة إلى البحرين، فإنّ البيت الأبيض بإدارة ترامب، والخارجية بإدارة تيلرسون، يخططان للتّخلص من حقوق الإنسان كشرط لمبيعات الأسلحة لأنظمة استبدادية أخرى في الشّرق الأوسط، بمن في ذلك مصر والإمارات العربية المتحدة. هذه الدّول، وخصوصًا الإمارات العربية المتحدة، كانت تضغط بقوة على نُخَب السّلطة وصانعي القرار في البحرين، بما في ذلك مراكز الأبحاث والاستشاريين الرّفيعي المستوى، لإزالة شرط حقوق الإنسان والتّركيز بدلًا من ذلك على إيران والإرهاب. يخطّط ترامب لنقل هذه الأخبار الجيدة لحاكم مصر المستبد "عبد الفتاح السّيسي" لدى زيارة الأخير إلى واشنطن. الرّسالة ذاتها سيتم نقلها إلى ملك الأردن عبد الله الثّاني عند مجيئه.

وبشكل يثير استياء منظمات حقوق الإنسان وعدد من الخبراء في السّياسة الخارجية الذين يعتقدون أنّ سياسة خارجية عقلانية وفاعلة يجب أن توازن بين المصالح الوطنية الأمريكية والقيم الدّيمقراطية، فإنّ نمطًا مثيرًا للقلق يبرز في إدارة ترامب للعلاقات مع الدّول الأخرى.

التّرويج لتعريف ضيق للمصالح الوطنية على حساب حقوق الإنسان هو أمر قصير النّظر، وعلى المدى الطّويل، سيكون اقتراحًا خاسرًا. لطالما دأبت واشنطن على تدليل الحكام المستبدين قبل الرّبيع العربي لأنّ صانعي السّياسة الأمريكيين صدّقوا روايات هؤلاء المستبدين أنّ كل شيء كان جيدًا وكل الأمور تحت السّيطرة. وقالوا للزّعماء الأمريكيين ألّا يقلقوا بشأن شعور شعوبهم بالاستياء والغضب.

تاريخ من التّدليل

لأعوام، اعتادت الولايات المتحدة الاستبداد لأن العرب وغيرهم من المستبدين انصاعوا لأوامرها من دون أن تقيدهم فوضى الدّيمقراطية أو النّقاشات البرلمانية. في مارس/آذار 2003، على سبيل المقال، أُحبِطت الولايات المتحدة على خلفية عدم سماح البرلمان التّركي للمقاتلات الأمريكية بعبور الفضاء التّركي في طريقها إلى العراق. وقال لي شخص من مجلس الأمن الوطني في تلك الفترة إنّه لو كان حاكم مستبد يحكم تركيا، كما هو الحال في عدد من جاراتها، "لما كنا اضطررنا لمواجهة تصويت برلماني".

انتفاضات الرّبيع العربي أثبتت زيف الرّواية الاستبدادية. بغض النّظر عن انعدام الاستقرار، والفوضى، وسفك الدّماء الذي أعقب الانتفاضات الشّعبية في العام 2011، أُزيحَ المستبدون الرّاسخون من مناصبهم. حسني مبارك من مصر، علي عبد الله الصّالح من اليمن، معمر القذافي من ليبيا، وزين العابدين بن علي من تونس، أصبحوا مجرد حواشٍ في التّاريخ المأساوي الحزين للعالم العربي. ولسوء حظ الشّعوب العربية، نَجَت الدّولة الشّديدة الأمن من سقوط الزّعماء في أعلى الهرم.

يواصل الدّكتاتور السّوري بشار الأسد التّمسك بالسّلطة، وذلك بفضل دعم مناصريه الرّوس والإيرانيين. مشاركة الولايات المتحدة في تدمير سوريا وقتل الشّعب، التي تخدم في نهاية المطاف المصالح الإقليمية لروسيا وإيران، قوّضت دور أمريكا كلاعب إقليمي رئيسي.

من المؤسف أنّ إدارة ترامب أصبحت أكثر تسامحًا مع إدارة الأسد، محاجِجة بحماقة أنّ قتال تنظيم الدّولة الإسلامية (داعش) أمر أكثر أهمية من إزاحة الزّعيم السّوري، كما لو أن الأمرين منفصلان. يبدو الرّئيس ترامب مرتاحًا في التّعامل مع الحكام المستبدين العرب السّنة، الذين ينفرون شعوبهم ويعززون الرواية المتطرفة بكون أمريكا ضد العرب والمسلمين. حظر السّفر المفروض مؤخرًا على بعض الدول العربية المسلمة يصب في هذا الاتجاه أيضًا.

ومن خلال تجاهل حقوق الإنسان، فإن البيت الأبيض بإدارة ترامب يشير إلى موافقته الضّمنية على حملة القمع الدّموية من قبل الحكام المستبدين العرب ضد مواطنيهم. ويقبع عشرات الآلاف من المصريين والبحرينيين والسّعوديين في السّجن كنتيجة للاعتقالات غير الشّرعية والمحاكمات الصّورية. كما تم إعدام آخرين كثر أو تعذيبهم أو إخفاؤهم.

تبرر إدارة ترامب السّياسة الجديدة  لأن هذه الدّول "حليفة وثيقة" للولايات المتحدة، وهي من الشركاء المهمين في القتال ضد الإرهاب، وخصوصًا داعش. مع ذلك، وعلى الرّغم من مليارات الدّولارات من مبيعات الأسلحة إلى مصر والبحرين والإمارات العربية المتحدة، لم يتراجع خطر الإرهاب. الحرب المدمرة وغير الشّرعية التي تشنها السّعودية والإمارات العربية المتحدة ضد اليمن فشلت في هزيمة الحوثيين أو احتواء النّفوذ الإيراني المتنامي. علاوة على ذلك، ليس هناك دليل على أن هذه الدّول الأربع تشارك بنشاط في القتال ضد داعش سواء في العراق أو في سوريا.

وبسبب السّجل السّيء لمصر في مجال حقوق الإنسان، لم تساعد نفقاتها الدّفاعية الكبيرة، بما في ذلك المليارات التي تتلقاها من الولايات المتحدة، على هزيمة التّمرد الراديكالي في شبه جزيرة سيناء.  في الحقيقة، يزداد اقتراب التّهديد الإرهابي لنظام السيسي من وطنه ويصبح أكثر إزعاجًا.

البحرين وحقوق الإنسان

شاركت أقلية آل خليفة الحاكمة في البحرين في قتل المواطنين البحرينيين من الأغلبية الشّيعية خارج نطاق القضاء، واستخدمت الاعتقالات غير الشّرعية وقضاءً مطواعًا لسجن المعارضين السّلميين. وكثيرًا ما تذرّعت القوات الأمنية بما يسمى قوانين مكافحة الإرهاب لحل الجمعيات السّياسية الملتزمة بالقانون مثل الوفاق ووعد، واعتقال زعمائها، وتكميم أفواه ما تبقى من وسائل الإعلام شبه المستقلة مثل صحيفة الوسط.

وقد استخدم النّظام المخالب الأمنية في "الدولة الشّديدة الأمن" في البحرين لتدمير كل المعارضة الموجودة للنّظام. وقد أنفق حكام آل خليفة الكثير من المال من خلال الضّغط ووسائل الإعلام الموالية ومراكز الأبحاث "الصديقة" والاستشاريين المُمَولين تمويلًا جيدًا -كثيرون من بينهم هم دبلوماسيون متقاعدون وضباط عسكريون ومدراء تنفيذيون وأعضاء متعاطفون من الكونغرس والهيئة التّنفيذية- لنشر رواية مؤيدة للنّظام. النّظام البحريني لا ينقصه "الخبراء"، والمطلعون في واشنطن على استعداد للإشادة به. وعلى الرّغم من كونها مملكة صغيرة، إلا أن البحرين سلطت الضّوء على دورها الرّئيسي في خدمة مصالح أمريكا في المنطقة. وفي مقابل ذلك، ضغط النّظام على إدارة ترامب لدعم سياسته القمعية في الدّاخل.

ووفقًا لمقال نشرته الواشنطن بوست مؤخرًا، زعمت الحكومة البحرينية أنّها استولت على مصنع للقنابل السّرية في منزل بحريني يحتوي على مخارط ومكابس هيدروليكية لصنع قنابل متفجرة خارقة للدبابات. وبزعمهم أنّ إيران أمّنت معدات صنع الأسلحة، يبذل مسؤولو الأمن البحرينيون قصارى جهدهم لإقناع الحكومات الغربية بكون طهران وراء حركة الاحتجاج المناهضة للنّظام. وقد نقل النّظام هذا الاكتشاف أي "الأخبار التي يُفتَرَض أنّها عاجلة" إلى واشنطن من خلال مراكز أبحاث صديقة مثل معهد واشنطن لسياسة الشّرق الأدنى.

وكان قد سبق للنّظام أن أدلى بتأكيدات مماثلة لتشويه سمعة المعارضة ووسمها على نطاق واسع بالإرهاب. مع ذلك، يمكن للاكتشاف الأخير أن يكون أكثر شؤمًا مما سبقه. ثانيًا، على الرّغم من من أنّه، في السّنوات الأخيرة، أصبح بعض العناصر في حركة المعارضة أكثر نشاطًا وتحولوا باتجاه العنف والإرهاب -سرايا الأشتر التي يُفتَرَض أنّ إيران تدعمها هي مثال على هذا التّشدد الشّيعي-، لا تزال أغلبية المعارضة سلمية.

ثالثًا، على الرّغم من مزاعم النّظام بعكس ذلك، فإن الجماعات الشّيعية العنيفة في البحرين لا تمثل الأغلبية الكبرى من معارضي النّظام، سواء كانوا أفرادًا أو جماعات. وجهود النّظام للرّبط بين المعارضين السّلميين والإرهابيين مخادِعة، وسيكون من المحزن أن تسقط الدّول الغربية أمام هذا الزّعم المثير للشّك. رابعًا، أدّى الرّد الصّارم للنّظام على الاحتجاجات السّلمية في السّنوات السّت الماضية إلى ازدياد حدة التّشدد لدى الأغلبية الشّيعية. وقد كانت سياسة محسوبة تهدف إلى تحقيق النبوءة بأن المعارضة مكونة من إرهابيين. وفي هذا الصّدد، اتبع نظام آل خليفة نمطًا أنشأه حكام مستبدون آخرون في مصر والسّعودية وسوريا وغيرها.

عدم خدمة المصالح الأمريكية

الأنظمة العربية التي تدّعي أنّها تخدم المصالح الأمريكية  تسعى في الواقع لتحقيق مصالحها الشّخصية قبل كل شيء. استخدمت مصر اتفاقها للسّلام مع إسرائيل كصفقة مساومة للحصول على المزيد من المساعدات العسكرية من واشنطن. وقد هدّدت أيضًا بأن تجعل من الصّعب مرور السّفن الأمريكية عبر قناة السّويس ومرور الطّائرات الأمريكية في المجال الجوي المصري في حال أوقفت الولايات المتحدة مساعداتها أو مبيعاتها العسكرية لنظام السّيسي.

الحقيقة هي أنّ مصر تستفيد -اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا- من معاهدة السّلام التي وقعتها مع إسرائيل. ولا يتحمل نظام السّيسي الذّهاب إلى الحرب مع إسرائيل. على الرّغم من مرور ما يقرب من 40 عامًا على العلاقات السّلمية مع إسرائيل، فشلت مصر في إقناع الدّول العربية الأخرى بإحلال السّلام مع إسرائيل أو التّقليل من التّهديد الإرهابي في المنطقة. وبما أنّ المعاهدة تخدم مصالح مصر في المقام الأول، لا يجب أن تدفع الولايات المتحدة ثمن ذلك. وفي حال ألغت مصر المعاهدة أو أغلقت قناة السّويس أو مجالها الجوي في وجه السّفن أو الطّائرات الأمريكية، فإنها ستقوم بذلك على مسؤوليتها الخاصة.

كثيرًا ما تؤكد السّعودية أنّها تدعم السّياسات الأمريكية لمكافحة الإرهاب في المنطقة. ومع ذلك، فإنّ الأيديولوجية المتطرفة التي تدعم القاعدة وداعش تأتي أساسًا من السّعودية. وقد كانت واشنطن خجولة جدًا في تحدي السّعوديين بشأن هذه القضية. وإن كان قد تم وضع حظر السفر الذي فرضه ترامب لإبقاء الإرهابيين والتّطرف خارج الولايات المتحدة، فلماذا تم استثناء السّعودية من لائحة الدّول الخاضعة للحظر؟ ولماذاحظيَ أبناء العم السّعوديون بمثل هذه المعاملة الملكية في زيارتهم الأخيرة إلى واشنطن؟

استخدمت البحرين وجود الأسطول الخامس الأمريكي في البلاد كدليل على دعم النّظام للسّياسة الأمريكية. لكن البحرين، وليس الولايات المتحدة، هي المستفيد الرّئيسي من اتفاقية استضافة الأسطول الأمريكي. على الولايات المتحدة أن تنظر بشكل جدي في مسألة نقل الأسطول الأمريكي الخامس إلى موقع آخر داخل أو خارج الخليج. ومهما كان الموقع الذي سيتم نقله إليه، سيواصل الأسطول ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز وتدفق النّفط من دون عوائق إلى العالم الخارجي. وبإخراجه [الأسطول الأمريكي الخامس] من البحرين، سترسل واشنطن رسالة واضحة إلى نظام آل خليفة مفادها أنّها لا تتسامح مع اضطهادها [البحرين] المستمر للأغلبية الشّيعية.

يجب على إدارة ترامب أن تتعلم من الإدارات السّابقة أن نهجًا عسكريًا في السّياسة الخارجية على حساب الالتزام الدّبلوماسي المرتكز على القيم الأمريكية لا يعمل على المدى الطّويل. لقد علّمنا التّاريخ الحديث أن تدليل الحكام المستبدين وإبعاد شعوبهم لا يخدم المصالح الأمريكية، بل على النقيض من ذلك، مثل هذا النّهج يؤدي إلى خلق المزيد من الاضطرابات، وفي نهاية المطاف، المزيد من الإرهابيين، الأمر الذي يضع بالتّأكيد المصالح والأفراد الأمريكيين في خطر في تلك البلدان.

النّص الأصلي


 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus