بنت الغسرة: رضا..أيها البحر خذني وياك

2017-02-14 - 1:40 ص

بقلم: بنت الغسرة

لبس رضا ملابسه الأنيقة، وارتدى قلادة تدل على فتوّته وقوّته، لفّ على معصمه خيطا يذكره بثورة الأحرار، مشّط شعره وسحب حقيبة الظهر التي انتقى فيها أدواته بعناية، مضى نحو الباب، تذكّر شيئا ما وابتسم، حمل هاتفه المحمول ومضى.

في الطريق شاهد جموع غفيرة تندّد بالنظام، وامرأة تطلب من الشرطة حق رؤية جثمان ابنها قبل دفنه، يندهش من المنظر ويتمتم: يدفنون البذور التي ستورق بعد حين. نظر بعينيه الحادة للمرأة قائلا: لا عليكِ أيتها الأم كوني بخير، سيزهر ابنكِ من جديد. ابتسمت له وذرفت دمعة اللقاء والوداع معاً.

مضى بعيداً، حاول أن يتدارك زحمة السير، سمع أحدهم يقول: يبدو أن بطلاً قد دُفن اليوم، والشرطة ترفض حضور عائلته لمراسم دفنه، يفتح رضا هاتفه مفتشا عن اسم ذلك البطل، يقرأ تغريدات تنوح شهيدها الأسطوري وتنعيه، وأخرى تهنئ بعضها البعض فرحة مستبشرة بقتله، يبتسم. يتنهد قليلاً يغمض عينيه، ويتحوّل بسيارته لطريق مختلف عن الطريق الذي يسلكه الناس، فقد تعوّد أن يمضي في دروب مختلفة، يقف ويشاهد، ويترجل للمساعدة ثم يمضي سريعا حتى قبل أن يسمع كلمة شكر.

بينما هو في طريقه لموعده، شاهد مناظر مزرية، تأسف جداً أن لا وقت لديه للمساعدة أو التغيير، فقراء يتسولون هنا، أجانب متمصلحون هناك، مجنسون مرتزقة، امرأة تندب زوجها السجين، سوّاح يترنحون، بيوت دعارة محلية ومستوردة، بطالة، شباب مطارد، تمييز مقنن. شاهد رضا كل ذلك وأكثر، بدا متذمراً، أحسّ أن ثيابه باتت ثقيلة، فقد علِق عليها بعض ما مرّ به من مناظر مؤلمة.

أسرع المسير حتى لا يتأخر عن موعده، حاول ألا يشغل باله كثيرا، فتح مسجّل سيارته، وبدأ يستمع لقصيدة ينشدها الشيخ حسين الأكرف بحزن شديد:

 

خذني وياك

أريد أبقى وياك

غربة هالدنيا

غربة بلا اياك

جيتك بحنيني

ليش ما تجيني

 

تفاعل رضا مع القصيدة واستحضر كل الصور التي مرّ بها، انتبه لحظة، قطع القصيدة، وفتح هاتفه مستحضرا أرقام رفاقه، حادثهم بحنان، قسّم بينهم قضايا ومهمات من الواجب أن يشاركوا في حلها، فقد وسّع دائرة معارفه في الآونة الأخيرة، واستطاع أن يحصل على أعلى درجة من الثقة بهم، وهم جاهزون وقت الفعل.

اطمأن على كل شيء وعرف أن قوة ربانيّة تؤيده ورفاقه، كان مطمئنا تماماً أن الروح تزهر كل يوم   إذا رفضت الذلّ والخنوع.

وصل إلى موعده مطمئنا، هادئا فزرقة البحر، تبعث في روحه الطمأنينة، وأمواجه الثائرة ترضي غرور شبابه الفتي.

فجأة وجد البحر وقد صار رهواً، تذكر الاختلاف، فحين تعشق النار الماء، يصبح الكون مختلفا، تتحول كل الاختلافات إلى حمم صغيرة تثور أولاً وتذوب حالما تفقد وهجها أمام الماء والهواء.

أغمض عينيه متمتما بكلمات قد سمعها للتو:

خذني وياك

أريد أبقى وياك

استجمع قواه احتضن البحر وقبّله، فعاد البحر ثائراً مزمجراً مرتعداً، تتلاطم أمواجه من كل جانب، صارخة:

رضاااااااااااااااا

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus