مدرسة جليلة: ليلة القبض على جليلة السلمان 1-3

29/03/2012م - 8:29 ص - 6304 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق





مرآة البحرين (خاص):
في مثل هذا اليوم قبل عام، كان فجر 29 مارس يوماً استثنائياً في حياة نائبة رئيس جمعية المعلمين المربية جليلة السلمان. منذ ذلك الفجر وحتى 5 أشهر كاملة تالية، عاشت السلمان لحظات رعب لن تُمحى من ذاكرتها المثقلة بالصور والأصوات والمشاهد والانتهاكات والإذلال، كما لن تُمحى من ذاكرة الوطن المثقلة بتاريخ البطش المتراكم لهذا النظام البائس.

عبر حلقات، ستنشر مرآة البحرين تلك القصة التي سمعتم بعض تفاصيلها، فيما بقت تفاصيل أكثر، متناثرة بين قضبان الغرف المظلمة..


معي داخل الحمام

قبل أن تنام تلك الليلة تناولت دواء الحساسية الذي يسبب النعاس، يبدو أنها تناولت بعض الطعام الذي لا يناسبها. ثمة من يوقظها بقوة لكنها تعود إلى النوم ثانية. كانت الساعة تشير الى الواحدة والنصف تقريبًا. صار الإيقاظ بعدها أكثر عنفًا، تم سحبها من عنقها وأفاقت على مسدس مصوب على رأسها، تخلله صوت غليظ يقول: " لا تخافين إحنا الشرطة ".

فتحت جليلة السلمان عينها، لا يزال تأثير الدواء يعيق استيقاظها الكلي، كل ما لمحته في غرفة نومها الكبيرة حينها، أنها مليئة بوجوه ملثمة يرتدي بعضها لباس مدني وبعضها لباس رسمي، "أكثر من خمسين رجلا يملأون خصوصية غرفة نومي" تقول.

رفعت رأسها أكثر، كان زوجها محاطًا بمجموعة تصوّب بنادقها عليه: "التقت عينانا، لم يستوعب كلانا الصدمة، كيف يتجرأ هؤلاء باقتحام غرفة النوم وفي بلد مسلم هكذا بلا رادع. انتبهت أني لا أزال في ملابس النوم، صرخت: أحتاج أن أغطي نفسي، سحب زوجي بسرعة  الحجاب ورماه لي متحديًا الأسلحة، أسرعت للسرير التحف غطاءه".

طلبت جليلة منهم أن تدخل الحمام، لم يوافق سيدهم في البدء، بعد إلحاح، استدعى شرطية وقال: "دخلي وياها"، تستذكر جليلة: "دخلت معي الشرطية، قلت لها: لو سمحت أعطني ظهرك، لبستُ عباءتي سريعًا فوق ملابس النوم وخرجت. ألقيت نظرة أخيرة على غرفة نومي، بدت مثل مكان تعرض لعملية سطو مسلح، قاموا بتفتيشها وتقليبها ومصادرة الأوراق وكل ما تقع عليه أيديهم".  

تكمل جليلة: "بينما كنت أنزل السلم، كان كل فرد منهم يدفعني، كان أبي ينتظرني في آخر السلم، هرعت إليه وحضنته، مسحت دموعه وهمست: دعاؤك. كانت تلك آخر مرة رأيته فيها، لم يقو على رؤيتي خلف القضبان طوال الأشهر الخمسة، رأيته فقط يوم الإفراج عني، منذ ذلك اليوم لم يعد والدي يسكن معي. لم ينس كيف تم اقتحام البيت وتكسير أبوابه، لم ينس أيضًا كيف اقتحمت غرفته وصوّب المسدس على رأسه وهم يسألونه: وينها جليلة؟، وعندما أجابهم: فوق، أروح أناديها؟ قالوا له: مكانك، لا تتحرك.


صدنا الفأر العود

انطلق الباص ومعه الموكب الذي غطي مساحة الحي الذي تسكنه جليلة. الطائرة المروحية تحلق بارتفاع منخفض تصوب الإضاءة على منزلها. أطفال جليلة الصغار يطلون من نافذة الغرفة برعب، يلقون نظرة أخيرة على أمهم المخطوفة. "لم أعلم حينها بأنهم أيقظوا كل أطفالي وصوبوا مسدساتهم على رؤوسهم وهددوهم بعدم الصراخ، أطفالي الثلاثة لم يتجاوز أصغرهم خمس سنوات وأكبرهم عشر سنوات".

في الباص الصغير، يجلس اثنان في الأمام، أحدهما يقود السيارة، وفي الخلف أُجلست جليلة مع شرطية، "ما إن أغلق باب الباص حتى صعقتني بقولها:  يا (....)، فكرتينا ما بنوصل لك". تكمل جليلة: "أخرجوا بعدها هاتف (بلاك بيري)، بادرني أحدهم قائلا: هاش سوي برودكاست اكتبي فيه تم القبض على جليلة السلمان، قلت له: ما أعرف أستخدمه. نفذوا مهمتهم وأرسلوا الرسالة القصيرة عبر الهاتف، كانت نشوتهم باعتقال امرأة (وصفت بالخطيرة) في جنح الظلام. ترددت كلمات "صدنا الفأر العود، ما بنخليهم لو وين، زنقة زنقة، هذيله أولاد المتعة".

بالطبع لم تكن جليلة تعلم إلى أين سيتم أخذها، لا تزال تحت تأثير الصدمة، " لا أعلم حينها عن ماذا يبحثون. وجدت نفسي في منطقة (رأس الرمان) يدخلون اليها من زقاق إلى آخر، بالتأكيد كانوا يبحثون عن أحد ما، لكني كنت أدعو الله أن لا يجدوه. بعدها لمحتهم يسحبون شخصًا ودفعوا به داخل السيارة المدنية. دخلوا بعدها في أزقة منطقة السقية (من ضواحي العاصمة)، يبدو أنهم لم يعثروا على ضالتهم، بعد ذلك عبرنا الشارع في طريقنا إلى منطقة البديع".


ثلاثة فئران

 
أفراح العصفور
كان ذلك أثناء فترة السلامة الوطنية والقوات السعودية منتشرة في الشوارع. سائق الباص يتحاشى المرور عبر نقاط التفتيش، يحذره زميله "لا تمر من هذا الصوب، تري فيه نقطة تفتيش وما راح يصدقونا"، كان هذا غريباً بالنسبة لجليلة ولا تزال لا تعرف تفسيرا لهذا، تقول: "ساورني حينها القلق، من هؤلاء؟ يبدو أنهم  لا يمتلكون حتى بطاقة هوية"، كانت الشوارع خالية من السيارات، مخيفة جدًا مع حظر التجول الذي فرض في 15 مارس 2011.

عبر الباص فوق الجسر المطل على دوار اللؤلؤة، قالت الشرطية لجليلة: قومي طالعي الدوار، قومي شوفيه، أقل شي حكم مؤبد وإذا مو مؤبد إعدام. رفعت جليلة رأسها قليلاً كي ترى جهة الدوار. بوغتت من الخلف بضربة على رقبتها، عرفَت أن هناك من يجلس خلفها. "لمحتُ قطعة الحرية، رأيت المكان الذي كان يهب الحياة بكل عنفوانها، كيف تحول إلى يباب محاصر بالجيوش".  

وصل الباص الى بيت أفراح العصفور، عرفت جليلة حينها أنهم في مهمة القبض على أعضاء مجلس إدارة جمعية المعلمين. تقول: "حين رأيتها شعرت بالاطمئنان". لم تتأخر أفراح كثيراً، كانت تنتظرهم، الشخص الذي تم أخذه من منطقة رأس الرمان كان من أقاربها، كان يدلهم على بيتها. أخبرها أقاربها أن تستعد، العسكر في طريقهم إليها. ثم سلك الباص سلكنا الطريق المؤدي الي بيت غصون السيد حمزة خلف. "تأخروا كثيرا حتى لمحناها تأتي، كانت مرعوبة مثلنا، أصبحنا الآن ثلاثة من أعضاء مجلس الإدارة".

كانت خيوط الشمس بدأت تصحو، قال أحدهم: صدنا ثلاثة فيران، الباقي خلهم لبكرة، الحين بناخذهم سجن الحوض الجاف، اشرايك؟ أو نخليهم اهني ونقطهم برع، ثلاث بنات يتكفل ابهم الجيش. "وقتها لم نكن نملك إلا الصمت مصحوبا بالدعاء" تقول جليلة. الباص يتجه الى منطقة العدلية، مبنى التحقيقات الجنائية سيئ الصيت، مقر تعذيب سجناء الرأي: "خفق قلبي بشدة" تقول جليلة.


حديث الغرفة

 
سناء زين الدين
تم إدخالهن من الباب الخلفي لمبنـى التحقيقات، إلى غرفة بابها خشبي، طولها وعرضها لا يتجاوزان متر ونصف. الأرضية مغطاة بسجادة عثّة تملؤها الحشرات والديدان والنمل. أمروهن أن يقفن متفرقات عند زوايا الغرفة وباستقامة واحدة. أُوصد الباب الخشبي. لكنه لا يلبث أن يفتح خلال دقائق للتأكد من الوقوف بالشكل المطلوب. تشرح جليلة: "استخدمنا لغة الإشارة، أفهمتهم أننا في التحقيقات الجنائية ويجب أن نكون حذرين، بقينا واقفين لمدة يوم كامل حتى أصابنا الإعياء، سمحوا لنا بعدها بالجلوس على الأرض، حررت قدمي قليلا من الحذاء واتخذته وسادة لأنام عليها".

تكمل جليلة: " فُتح الباب، لمحت كعبا عالياً، ما إن رفعت رأسي قليلا حتى وجدت سناء زين الدين – رابعة الأعضاء الفئران - وسط الزنزانة الضيقة، المسكينة تحسب أن التحقيق لن يدوم أكثر من ساعة، ثمة بلاهة تجعلنا نضحك في هذه المحنة، بعدها تم إبعادنا عن بعض وبقيت في الزنزانة لوحدي".

"كانت جدران الغرفة مليئة ببقع الدم الجامد، تسرد حكايات أصحابها الذين سُحلوا هنا، آثارهم، بقايا صراخهم التصق بالحائط. أكثر من عشر وصلات كهربائية تملأ الجدران، في وسط السقف كان الخطاف معلقًا، ترى كم شخص فارق الحياة هنا، كم ذئب تلذذ بفريسته هنا"، كانت تحدث نفسها جليلة وهي تنظر إلى الغرفة الضيقة حولها. يومان بقيت جليلة واقفة في غرفة التعذيب التي لا يزورها الضوء، وسجانة تحرس العتمة. إمعانا في التعذيب النفسي، كان يدخل أحدهم الغرفة ويتلفت قائلا "الكيبلات تشتغل؟"، ثم يخرج ويترك لمخيلة جليلة توقع القادم من العذاب.




بلا دواء

 


عيسى المجالي
لم يسمح إلى جليلة بالذهاب إلى دورة المياه، الصلاة مؤجلة في زنزانة لا تعرف الطهارة "يكفي أن يزين الطعام بالرمل وبقايا من شعر لتشعرك بالتخمة"، تسترجع بتقزز وتكمل، "بعد يومين دخلت الشرطية وعصبت عيني، قادتني إلى مكان ما، بعدها أزالت العصابة من عيني، إنه مكتب المحقق، للتو خرجت منه شابة يافعة، تم إدخالي بعدها. عرفت فيما بعد إنها آيات القرمزي".

لم يختلف هذا المكتب في حجمه عن مساحة الزنزانة السابقة، مكتب صغير يجلس عليه شخص سمين، محاط بثلاثة أشخاص. طلب من جليلة التقدم وسمح للشرطية بالبقاء. اقتربت جليلة من مكتبه وهي واقفة، وقبل أن يبدأ التحقيق قالت له: أنا متعبة. رد المحقق: الحين تعبانة يا قليلة الحياء؟ عرفَتْ من لكنته أنه أردني، تبين فيما بعد أنه عيسى المجالي. تقول جليلة: "بدأ سيل الشتائم ينهال لدرجة أن السباب الذي سمعته في الباص كان راقيًا. كان يصرخ ويهين طوال الوقت، يهين أهلي وديني وملتي وشرفي، لم استوعب وقتها سلسلة الاتهامات المتتالية، قاطعته بأني متعبة، قال: مثلي علينا. كانت تلك آخر كلمة سمعتها وسقطت على الأرض مغشيًا علي، لم أتناول الحبوب الخاصة بارتفاع ضغط الدم كما إني أعاني من آلام في الظهر والمعدة، تلك الأدوية التي تصلب قواي على مقاومة الألم كانت بعيدة عني".

أفاقت جليلة، طلب المحقق بأن يأتوا بكرسي، جلست ووضعت رجلاً فوق الأخرى، صرخ عليها: قعدي عدل واحترمي نفسك، أنت قليلة حياء، قومي أوقفي، هالكرسي حق المحترمين مو أمثالك. أغمي عليها مرة أخرى. تأكدوا أن جسدها الضعيف لا يحتمل هذا الوجع. "لم آخذ أدويتي إلا بعد خمسة أيام بالرغم من أن زوجي أحضر الأدوية والثياب بعد يوم واحد من اعتقالي".


■ سنتيمترات فوق الأرض


بعد بضعة أيام نقلت جليلة إلى زنزانة ثانية أقذر من الأولى. أصوات الفوضى تشير إلى أن الزنزانة قريبة من الاستقبال. يقابل الزنزانة مخزن الذخيرة والخمر "كانوا يشربون الخمر قبل أن يغتالوا إنسانيتهم مع الأبرياء. كانت الرائحة تصل لزنزانتي مع رائحة الخوف التي تتسلل إلى مخيلتي لتنشر الذعر في نفسي. لا أحد يحرس الزنزانة، ورجال لا يعرفون الله خارجه. وحده الضوء الذي يعلو الباب وصوت أفراح قرب زنزانتي، أراحني قليلا".

بعد ستة أيام سمح لجليلة بالاستحمام في دورة المياة " كأنما الأرض تبعث من جديد حين يزورها المطر، لبست ملابس نظيفة وأخذت أدويتي. الذهاب لدورة المياة مسموح مرة واحدة في اليوم مما أثر على كليتي. وبسبب قلة الطعام بدأت أسناني تلتهب، خُلع أحد اسناني بمفك، بقيت أتعالج منه لمدة شهرين. أعانتني البرتقالة اليابسة التي أكلتها على لملمة جسدي قليلاً".

كانت ليلة الجمعة الموافق 7 إبريل، تكمل جليلة عشرة أيام من الحبس الانفرادي في مبني التحقيقات الجنائية، تنتظر حتى يهدأ المكان، تنادي أفراح بصوت خافت. تتفقان سريعا أن تقرآ بعض الأدعية التي تحفظانها والصلاة على النبي 14 ألف مرة، "لم نعرف حينها  كيف نحسب ذلك. بدأنا بالصلوات حتى جاء صوت أفراح مختلسا جو التهجد: كم وصل العدد لديك؟ أجبت: 7 آلاف، كنت حينها قد مددت جسدي على الأرض وأنا أتمتم بالصلوات. غفوت. ثمة شعور بالاطمئنان الروحي صاحبني حينها، لكن صراخ الشرطية أيقظني: "شمسويه!". مددت يدي أتحسس الأرض لكني كنت ألمس الفضاء، بعدها ارتطمت بالأرض. نظرت إليها: ماذا حدث؟، ذهلت الشرطية حينما رأتني مرتفعة بضعة سنتيمترات عن الأرض. نادت زميلتها بسرعة وطلبت مني أن أعيد ما فعلته: "أنت مرفوعة من الأرض؟َ!". طلبت مني بسرعة أن ألملم أغراضي، ربطوا عيني وقالوا: "سنأخذك الى السعودية".


السيرة الذاتية :

  • الاسم :جليلة عبدالرضا السلمان
  • الوظيفة : مديرة مساعدة
  • النشاط : نائب رئيس جمعية المعلمين
  • الحالة الاجتماعية : متزوجة
  • عدد الأطفال : ثلاثة  أولادي :أمجد 11 سنة ، نوراء 9 سنوات ، حوراء 6 سنوات
  • فترة الاعتقال الأول : 29 مارس – 18 اغسطس  الوقت : 1:30 فجرا
  • فترة الاعتقال الثاني : 18 أكتوبر – 2 نوفمبر
  • مدة الاعتقال الأول: 5 شهور
  • مدة الاعتقال الثاني : 17 يوما



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus