علي عبدالإمام: أي «جو» يا جهاد؟

علي عبدالإمام - 2016-12-12 - 10:03 م

هناك دائما فرق بين أن تعيش الألم، وأن تكتب عنه، وأن تقرأ عنه، وهناك حالة خاصة في أن تقرأ عن ألم عشتهُ أو عشتَ شبيههُ فترة ما، الإحساس لا يمكنه بمكان أن يحلّ محلّ التذوق، تستطيع أن تصف أشهى الأكلات، ولكنك إلى أن تتذوقها لن يكون في خيالك سوى تلك الكلمات التي وصفت، تستطيع أن تصف الموت لكنك لن تعرفه حتى تقع فيه، ولو جرّبت أن تبحث في بطون الكتب وأمهاتها، فلن تعرف حقيقته.

كانت تلك هي الفكرة الأساسية التي تدور في خيالي وأنا أقرأ رواية «جو» وأسأل نفسي إلى أي «جو» يحاول «جهاد» أن يأخذنا، كنت أقرأه على حذر وترقب وخوف وتردد، كنت أتمناه أن لا يذكر كل تلك الفظائع لكي لا أتألم من جديد، وأترجاه أن لا يكثر من تفاصيل الجرائم لكي يطويها النسيان، كنت أخاف من السطر اللاحق أن يذكر ألما جديدا لأن قلوبنا لم تعد قادرة على التحمل أكثر مما تحملت، رغم أني أدعو أن لا يغفل ذلك الألم لأنه جزء من الشهادة والتاريخ، جزء من التجربة التي نخشاها ولكننا وقعنا فيها.

كل الأجواء تجمعت في رواية «جو» فمن جو خلايا الدروس والتعليم التي شكلها المعتقلون على اختلاف مشاربهم لكي يستفيد الجميع، إلى جو العائلة الواحدة المتراصة، إلى جو السجن والحنين لكل ما هو خارج السجن، إلى جو الخلجات البينية في داخل النفس، إلى جو الثورة، إلى جو التعذيب والتنكيل والخيام، إلى جو الإصرار على كسر قيود الذل، إلى جو الأمل رغم الألم، وأجواء أخرى تراها بين ثنايا رواية «جو». لك أن تحتار في أي الأجواء هو الأقرب إلى قلب جهاد، وأيها هو الأقسى عليه، أيها يجعله مبتسما، وأيها يجعله متألما، من أجمل أجواء رواية «جو»، الجو الأخير ولقاؤه بـ«المعلم».

لم أقرأ «جو» كرواية عادية، بل كجزء مني كان موجودا في تفاصيل تفاصيلها، كنت هناك معهم في مختلف «أجوائهم»، مررت ببعض ما مروا به، لكن الغضب كان نفسه. الإحساس بالعجز نفسه، الرغبة في الثورة، وأنك لم تخلق لهذا، أنك أفضل من هذا المرتزق الجلاد وآمريه.

ولا أعرف لماذا كان «جهاد» يصر على أن يكون وجعي أكبر من الآخرين بأن يخصني بشكر في مقدمة الرواية وكأنه أراد أن يجعل منه دَينا عليّ يلاحقني ويحرجني به. العزيز جهاد، جميلك وشكرك وسام أتشرف به منكم، وأنتم في «جوّكم» أشرف الناس.

لكل أولئك الساكنين في «جو» لقد أبدع جهاد في نقل «جهادكم» ومعاناتكم. لأهل الساكنين في جو، هذه الرواية بها من الألم الكثير، ولكنها كانت صوت أهلكم هناك، خرج لكي تسمعوه، لأن أسلاك الهاتف والزيارات لم تعد كافية لكي تسمعوا حجم الألم الذي مروا به بكل هذه التفاصيل. لجهاد الذي لازال يسكن « جو»: (إن كنتم تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون).

*مدافع عن حقوق الإنسان وناشط إلكتروني.

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus