ريحانة الموسوي تواصل كشف ملفات السجن لـ"مرآة البحرين": لازمتني تأتأة اللسان وصرت أرجف كلما نادوا اسمي (2 - 2)

2016-05-06 - 11:07 ص

مرآة البحرين (خاص): هكذا تدحرج كل شيء في حياة ريحانة الموسوي فجأة. لم يكن أكثر من قرار اتخذته هي ورفيقتها نفيسة العصفور لتسجيل احتجاج سلمي ضد القمع الدموي في البحرين أمام جمهور الفورمولا 1. لم يكن أكثر من هذا. لم تكونا تحملان أكثر من لافتات. بقدرة قادر تحولت اللافتات في غضون أيام قليلة إلى قنابل ومتفجرات. ومن قضية تجمهر سلمي إلى تنظيم إرهابي. هكذا أرادت وزارة  داخلية البحرين. كانت المفاجأة عندما شاهدت ريحانة صورتها منشورة في الجرائد الصباحية التي كانت تجلب إلى السجن مع هذا العنوان الصادم الذي يقول:  "الداخلية" تحدد هوية تنظيم "14 فبراير" والقبض على عدد من القياديين الميدانيين والمنفذين. أسقط في يدها حائرة. في هذه الحلقة تواصل ريحانة الموسوي رواية ملفات السجن وسلسلة انهياراتها التي لازمتها طيلة فترة ثلاث سنوات.

الانهيار الخامس: في الشرف

بعد نشر صورتي ضمن ما أسموه تنظيم 14 فبراير، ورؤيتي لصور باقي المتهمين معي، بدأت أسترجع تفاصيل الأسئلة التي كانوا يوجهونها لي في التحقيقات والصور التي يعرضونها علي لأتعرّف عليهم وأعترف بصلتي بهم، كان آخرها التحقيق معي قبل يوم واحد من إعلان الداخلية. بين هذه الأسماء ابن خالتي عباس العصفور وهو الآن محكوم وبلغت أحكامه 27 عاماً، وابن أختي مهدي أحمد صالح وكان مطلوباً حينها وقد تم اعتقاله قبل فترة، ولا أعرف كيف علي أن أعترف بمعرفتي بابن أختي وابن خالتي وكيف يمكن لهذه المعرفة أن تكون تهمة! لقد جاؤوني بأسماء كثيرة جداً، بينهم السيد هادي المدرسي والحقوقي ناجي فتيل والناشط هشام الصباغ وأسماء نشطاء ومعممين لم أكن أعرفهم حينها، في البداية كان التوجه إلى اتهامي بانتمائي إلى الوفاق، ثم صار التوجه إلى ضمي للتيار الرسالي. لكن الأمر الخطير هو إصرارهم على أن أعترف بتواصل حركي بيني وبين هشام الصباغ، وقالوا لي إن لم تعترفي سنقوم باصطناع محادثات غرامية بينك وبينه ونشوه سمعتك ونخرب علاقتك بزوجك ونجعله ينفصل عنك. قلت لهم: "هاتفي لديكم ويمكنكم أن تفعلوا فيه ما تشاؤون"، لم أستغرب أن يفعلوها ولم أستبعد ذلك.  

الانهيار السادس: في العزلة

أصابني اضطراب نفسي كبير، شعرت بوحدة قاتلة وبقيت منعزلة، لا اختلط مع أحد، لا أتكلم مع أحد، ولا أريد أحد يتحدث معي، ولا أرد على أحد، وأخاف من كل شخص يريد الحديث معي، كنت أعتقد أن جميعهم يريدون إيذائي، صارت نظرتي سلبية للجميع. يتصلب جسدي عندما ينادى اسمي، أرتجف، أقول في نفسي الآن سيعيدوني إلى التحقيقات، وسأسمع أصوات الشباب وهم يعذبون في كما السابق. أثر هذا حتى على دخولي الحمام، لم أكن أستطيع. لا أرغب في الطعام ولا أنام، من معي بالغرفة كانوا يحاولون معي أن أتكلم، حاولت نفيسة العصفور أن تشجعني بأن أخرج من الزنزانة، كنت أخرج فقط إلى الحمام لأنه مشترك، لم أكن أدخل المطبخ ولا أي مكان آخر. الأخصائية أيضاً حاولت معي وكانت تخشى أن تتفاقم حالتي النفسية وأصاب بالاكتئاب. حتى الآن ما زلت أعيش القلق ونومي متقطع ومرتبك، لم أستوعب ما حدث لي، حتى الآن بعد خروجي من السجن لم أستوعب.

لقد ضعف نظري مباشرة بعد خروجي من التحقيقات، لم تكن لدي أي مشاكل صحية قبلها ولم أعان من ضعف النظر. بسبب الضغط المتواصل على عيني بالعصابة المزدوجة صارت عيني تؤلمني وكذلك رأسي، وصرت أرى كل شيء حولي محاطا بغشاوة، صرت لا أتمكن من القراءة ولا أرى الأشياء على بعد مسافة مني، في البداية كنت أشتكي لهم في السجن أنني لا أتمكن من الرؤية، وكانوا يقولون لي: مو شغلنا. ها أنا اليوم لا يمكنني الرؤية إلا باستخدام النظارة الطبية.

صرت أتأتئ في الكلام، عندما أريد أن أتكلم أحتاج أولاً أن آخذ نفسا عميقا، بقيت هكذا طوال فترة السجن وتحسنت فقط في الأشهر الأخيرة. رغم أني كنت فصيحة في الكلام، صرت أنسى كثيراً وحتى الآن، لاحظ زوجي أن السؤال أكرره عليه عدة مرات قبل أن أجيب، ولعله لاحظ أن استيعابي لم يعد كالسابق، تركيزي ضعيف، أتذكر دائما الصدمات التي تعرضت إليها.

أخبروني أنهم سيعرضوني على الطب النفسي ليساعدني على تجاوز حالتي، وافقت وذهبت لأني شعرت بحاجتي الفعلية إلى ذلك، لكن هناك لم أشعر أن الأسئلة الموجهة هي أسئلة طبيب، لقد أعطاني ورقه وكان يحمل في يده ورقة أخرى يقرأ منها السؤال وعلي أن أجيب بنعم أم لا. كنت أظن أني سأجلس مع طبيب أفضفض له عما عشته فيساعدني على تجاوزه، عندما رجعت التوقيف وسألتني الأخصائية عن وضعي، وهل استفدت من الطبيب أجبتها بأن حالتي ساءت أكثر. الطبيب طرح علي أسئلة مثل: هل تتوقعين أنك كنت مراقبة؟ هل تشعرين بأن هناك مخابرات تراقبك؟ كنت أنظر فقط إليه ولم أتكلم، معظم الأسئلة التي طرحها علي لم أجب عليها، شعرت بأنه زاد من معاناتي بدل التخفيف عني، لذا لم أتفاعل معه وحتى الورقة التي أعطاني إياها لم أجب عليها، لا أتذكر الأسئلة الموجودة فيها لكني لم أجب عليها، لم أكن مطمئنة له، لا ثقة عندي في أي شيء.

كنت أبكي غالباً وأنا واعية أني لا أريد التدحرج إلى الاكتئاب، لهذا وضعت أمامي الآية الكريمة "واستعينوا بالصبر والصلاة". وقلت الآية تضع الصبر قبل الصلاة، لهذا حاولت أن أضبط إيقاع الصبر في داخلي إلى مستواه الأعلى، وكانت الصلاة وقراءة القرآن والدعاء هي كل برنامجي طوال اليوم. حاولت نفيسة العصفور إخراجي من عزلتي أكثر من مرة. لم أتجاوب.

تحدثت مع المحامي بخصوص توقعات الحكم في قضية 14 فبراير، قال لي ضعي في حسابك 10أو 15 سنة، مع ذلك كنت أردد الحمد لله، ومع كل ما حدث معي كنت أحاول مساعدة نفسي لم أكن أريد الضعف أو الاستسلام للانهيار. 

ضد الانهيار: الصلاة والقرآن والقلم

كنت دائمة القراءة لسورة يوسف، أبحث عن الآيات القرآنية التي تتكلم عن الصبر وأدونها وأحاول أن أحفظها. بدأت بكتابة مذكراتي منذ التوقيف وحتى آخر يوم، كانوا يسمحون لنا بالأوراق والأقلام في التوقيف، لكن عندما حُكمت منعوا ذلك. قلت للسجانات: إذا لم تسمحوا لي بالحصول على قلم سأسرق واحداً. قلن لي: نحن نعرف أنك لن تقومي بالسرقة لكنك قد تجعلين أحداً يسرق لك. ولقد كنّ على حق فأنا لن أسرق ولا أعمل شيئاً في الخفاء وهنّ يعرفن ذلك عني. أنا واضحة لأبعد الحدود وصادقة وصريحة. صارت بعض السجينات تزودنني بأقلام تم تسريبها. خاطبت السجن وكتبت لهم "والنون والقلم وما يسطرون" لا أحد يستطيع العيش من دون قلم. وأنا يمكنني أن أصوم عن الأكل والكلام والناس لكن لا يمكنني أن أصوم عن القلم. وجود قلم معي كان يخفف من وضعي النفسي الذي يقلقهم. عندما أدخل في حالة نفسية سيئة لا أرغب في تناول الطعام  فيعتقدون أني مضربة عن الطعام، كانوا يخافون أن أكتب أشياء وأخرجها للنشر خارج السجن، أخبرتهم بأني أحتاج القلم لتدوين معاناتي، وكنت صريحة معهم جداً ولا أحب أن أكذب.  

كانت الصلاة والقرآن والقراءة والكتابة هي أدوات صبري واتزاني طوال السنوات الثلاث التي قضيتها داخل السجن.  قرأت الكثير من الكتب وهزّني جداً كتاب "نهج البلاغة". تجربة السجن أسميها "محنة" لكنها في الوقت نفسه "منحة" لأنها تمنحك فرصة الدخول إلى داخلك بعمق، تمنحك فرصة التأمل التفكر والقراءة وتوسيع مداركك. نومي قليل جداً رغم أني أطلب إطفاء الأنوار في الغرفة من الساعة الثامنة مساء. أستيقظ الفجر لأصلي ثم أبدأ في قراءة الكتب التي لدي.

لم أكون صداقات وعلاقات مع السجينات، كنت أضطر أحيانا للمجاملة، لكن بشكل عام كانت السجينات هن من يبادرن إلى الحديث معي والمجيء إلى غرفتي. كانوا يلجؤون لي عندما تكون لديهم حاجة أو استشارة، صرت موضع أسرار السجينات، يثقن أني لن أوصل ما يقولون لأحد كائنا من كان على خلاف سجينات أخريات. عندما أذهب إلى "كانتين" السجن أسال من معي في الغرفة عن حاجاتهن وألبي لهن طلباتهن وهذا يفرحني كثيراً. بعض السجينات الأجانب بكين عندما خرجت من السجن، كانت علاقتي جيدة بمن أسكن معهن في الغرفة ومع أول خطوة أخطوها خارج الغرفة أمشي بمحاذاة الجدار لكي لا أرى أحداً ولا أكلم أحد.

السجن جعلني أتعرف على جنسيات وأناس لم أكن أتقبلهم في السابق، كنت أكلم مع نفسي في التوقيف بأن هؤلاء السجينات أجانب ولهن تهم لا أقبلها أخلاقياً فكيف سأعيش معهم، وكيف يمكنني أن أتكيّف مع طبيعتهم وطبيعة طعامهم، تصرفاتهم مع بعضهن البعض، الألفاظ البذيئة التي يستخدمنها بشكل طبيعي وبلا اكتراث، كنت أنفر منهن ولا أتخيل كيف لواحدة منهن أن تجلس فوق سريري. لذا كنت أزيل الشرشف من فوق سريري صباح كل يوم حتى لا تجلس أي واحدة عليها. لكن مع الوقت بدأت نظرتي تتغيّر تجاههن. لقد وجدت فيهن الطيبة والحب، كن يعتنين بي كلما تعبت أو مرضت ويحرصن على رعايتي والاهتمام بي. تعايشت معهن، عرفت الجنسيات وطبيعة كل واحدة منهن، صرت أتقبلهن وأتفهمهن وأرى الجوانب الجميلة في كل منهن، بعدها أحببتهم وصارت علاقتي طيبة معهم.

زينب الخواجة مرت علي خلال فترة سجني مرتين، الأولى قبل حملها بطفلها هادي ثم في المرة الثانية. كنت أعينها عندما تريد الاستحمام أو الذهاب إلى المستشفى فآخذ طفلها هادي عندي، ليس لديها ثقة في أحد آخر. تجلس زينب الخواجة في مكان معزول مخصص لمن لديهن أطفال، هي حذرة جدا على ابنها وهو طفل مرح وجميل قد تعلّق بي كثيراً، لكنه قليل المناعة وكثير التعرض لنوبات صحية وكثيرا ما تقوم زينب بالاتصال بزوجها لأخذه إلى طبيبه الخاص ثم يعيده إليها، المكان غير ملائم تماما للطفل فهو شديد البرودة. أنا عن نفسي صرت ألبس المعطف الخفيف والجوارب طوال الوقت.

زينب أيضا كانت تتحدث معي في أمور السجن وتستشيرني، طيبة درويش أيضا تلجأ لي لتستشيرني في بعض الأمور المتعلّقة بقضيتها وكنت أساعدها، أفرح جداً بثقة السجينات.

بعد الحكم كنت أعاني من بعض الشرطيات وتصرفاتهن القاسية، ولأنني أتعامل مع الجميع باحترام لم أقبل أن يتم التقليل من احترامي في التعامل. كنت أذهب وأشتكي عند إدارة السجن والجواب المكرر في كل مرّة: تصرفات فردية!

الانهيار السابع: في عزل الزيارة

عندما انتقلنا إلى المبنى الجديد مهدت لي بعض السجينات بأن الوضع في الزيارة سيختلف تماما، أخبرنني أن هناك طاولة بها طول وعرض تفصل بين السجين وعائلته، رسمت ذلك في مخيلتي لكن ليس بالدرجة التي شهدتها، إنها طاولة تقسم المكان إلى ضفتين متباعدتين. كأن بيننا نهر. لا يسمح هذا النهر بتلاقي أكثر من أطراف أصابعنا فكيف بمشاعرنا وأحاسيسنا الغارقة في الحاجة إلى الاحتضان والشعور بالأمان ولو للحظات. أوه كم كان قاسياً ومذلاً. في أول زيارة لعائلتي كنت أحاول أن أبدو طبيعية أمام زوجي وأولادي وإخوتي وأخواتي، هم بدورهم كانو يحاولون تخفيف الوضع ويقولون أن المبنى الجديد أفضل من القديم. كان كل منا يفتعل الضحك والمزاح كي يخفف الوضع عن الآخر. بعد رجوعي من الزيارة كنت في حالة سيئة، شعرت بغصة اللقاء لا فرحته، رحت أصيح غاضبة: لو يحرموننا من الزيارة أفضل من هذا الوضع، إنها طاولة تقطع ولا تصل، تبعد ولا تقرّب، تحرم ولا تعطي. كان جميع من ذهبن للزيارة يشاركنني الرأي وهن غاضبات مثلي.

في الزيارة سألتني عائلتي ضمن أسئلة عابرة عن السجينات اللاتي معي في الغرفة فقلت قضايا مختلفة وجنسيات مختلفة وعددت: بعضهم سرقة وبعضهم آداب وبعضهم جنائي، وهكذا. كان ذلك يوم الخميس، في اليوم التالي جاءتني الشرطية التي كانت معي في الزيارة وكنت نائمة، أيقظتني من نومي وهي تصرخ بأعلى صوتها: ريحانة. فززت مذعورة وظننت أن المخابرات تداهمني. ماذا هناك؟ ماذا حدث؟ تفاجأت بها تهددني أنها لن تفوت لي ما قلته لعائلتي. ظللت في حالة من عدم الاستيعاب؟ ماذا قلت؟ ولماذا هذه الطريقة ولماذا التهديد فأنا لم أذكر أي شيء مخل أو متجاوز. من الذي يمكن أن يكون في السجن غير واحد ممن ذكرت، وهل قلت أنا شيئاً غريباً أو جديداً؟ أثار ذلك غضبي خصوصاً أنها تعمدت إيقاظي بطريقة تثير الذعر. ذهبت للأخصائية وقلت لها بلهجة صارمة: "هذه المرة الأولى والأخيرة التي تقدم شرطية فيها على الهزء بي، أنا ملتزمة بحدودي، فاطلبوا منها أن تلتزم حدودها". ولأن الاخصائية تعرفني وتعرف أني لا أتجاوز حدودي أبداً، وتعرف أني لا أسكت عن ظلم أو خطأ، فقد استوعبت ما أقول جيداً وتفهمته. وكالعادة يأتي الجواب: تصرّف شخصي.

في الكثير من الزيارات التي حدثت بعدها كنت أجدني عاجزة عن الكلام. أقابل عائلتي بالصمت والدموع فقط. كان وضعي داخل السجن ووضع زوجي في الخارج مع أولادي يسيطر علي، لقد عانى كثيرا، كثيرا جداً، هو رجل وعليه تربية الأولاد ومتابعة دراستهم، لم يكن يشكو ذلك لكني أفهم معاناته، كان يخبرني بكل شيء لأني إذا لم أسمع منه سأسمع من شخص آخر وهذه مشكلة.

عن نفسي لم أكن أنقل له معاناتي كلها، شخصيتي من النوع التي لا تتحدث بكل شيء تراه أو تشعر به، كذلك لا أستطيع الفضفضة إليه من خلال الهاتف أو من خلال الزيارة، هناك كبت في كل شيء، الكاميرات الموضوعة والشرطة المرافقة لنا، هذا يحد كثيرا من الكلام الذي نريده.

طوال فترة سجني لم أستطع معانقة أولادي، حسين ابني الأكبر مريض ولم يكن يستطيع الوقوف فيضطر في الزيارة إلى الجلوس فوق الطاولة لكن الشرطية تمنعه رغم أنهم يسمحون لغيري من النزيلات. أنا أم وفاقدة لأولادي، أراهم نصف ساعة فقط في الأسبوع، هذا الوقت لا يكفي للحديث معهم ولا عن البرامج التي يحتاجون إليها، ما إن يقع نظري على زوجي أشعر بتعبه، وجهه وملامحه مهما تصنع الابتسام وحاول لبس قناع يخفي به تعبه، أخواتي كذلك كنت أشعر بمعاناتهن عندما يحضرن المقابلة. كل هذا يجعلني عاجزة عن الكلام غارقة في الدموع وحدها.

اليوم بعد أن خرجت صارت ابنتي لا تريد مفارقتي حتى أثناء نومها تقوم وتتأكد بأني موجودة في الغرفة، ما زلت لا أستطيع النوم جيدا لهذا أشاهدها وهي تتفقدني، تكرر ابنتي زينب ذات السبعة أعوام سؤالها لي:  ماما أنت لن تذهبي إلى مكان آخر صحيح؟

حسين الآن أشعر به مطمئنا، لقد عانقني بحرارة تلخّص حاجته وافتقاده طوال هذه السنوات، وأستطيع القول إننا سنبدأ معا من جديد لنتجاوز ما فات منا.  

قبل وبعد 14 فبراير 2011

لستُ ناشطة سياسية.. أنا فقط أكره الظلم.. لم أكن أفقه شيئاً في السياسة عندما اندلعت احتجاجات التسعينات، كنت حينها في الثانوية العامة في "مدرسة مدينة عيسى الثانوية للبنات"، إحدى الطالبات قامت بالدعوة لخروج مسيرة احتجاجية في المدرسة، سألت عن سبب المسيرة، قيل إنها من أجل المساواة بين جميع أبناء الوطن دون تمييز أو تهميش أو ظلم لفئة معينة، وضد استئثار قلة قليلة بالحكم والثروات دون باقي الشعب. كان هذا كافياً بالنسبة لي لأجد الأمر مستحقاً. شاركت. لم أكن من نظم هذه المسيرة أو دعا إليها، لكنني صرت في الواجهة، كان هذا كافياً أيضاً لأتهم بأنني أنا من ترأست المسيرة ودعيت إليها، وحين نفيت ذلك عن نفسي، تم التحقيق معي للاعتراف باسم الطالبة التي كانت وراء هذه الدعوة، رفضت الإدلاء باسمها، فثُبًّتت التهمة علي وفُصلت من المدرسة.

في يوم 14 فبراير2011، لم أكن موجودة في البحرين من الأصل. كنت في مكة المكرمة أقوم بقضاء عمرة مع أخواتي لمدة 12 يوماً، هناك سمعت بخبر خروج الناس في التظاهر وسقوط شهداء، جاءتني أختي وقالت البحرين حدث فيها زلزال. لم أكن أتابع أي أخبار ولم أسمع بحركة 14 فبراير من قبل، كنت وقتها مشغولة بأولادي ودراستهم، وعندما عدنا كان الدوار قد فتح وسمح للناس بالتجمهر فيه. بعدها شهدت سقوط الشهداء والاعتقالات الواسعة في فترة الطوارئ، وتساءلت لم كل هذا، الشعب لديه مطالب حققوها له وانتهى، بعدها انخرطت في التوثيق والعلاج.

ماذا عن ريحانة الآن، بعد 5 سنوات من الثورة و3 سنوات من السجن؟ أنا الآن أقوى. كنت قد هيأت نفسي للسجن لمدة 10 سنوات، كلما زادونا ظلماً سنزداد صموداً وإرادة. لن نعجز ولن ننكسر.

بعد خروجي من السجن أبهرني التفاف الناس وحضورهم للترحيب بي ومباركة حريتي، خاصة منطقتي سترة  مسقط رأسي ومدينة عيسى محل إقامتي وعائلة زوجي. لقد التف الجميع حولي وكان في مقدمة المستقبلين أمهات الشهداء وآبائهم، كذلك أهالي المعتقلين السياسيين، لقد توافد الناس من جميع أنحاء البحرين وقراها، جميع الفعاليات الحقوقية والسياسية والإعلامية، لقد أثّر في ذلك كثيراً.

كان أول تعليق لي بعد صدور الحكم علي بالسجن لمدة 10 سنوات، أن هذه السنوات لا تساوي دمعة في عيون والدة شهيد أو والده. اليوم تأكد لي ذلك أكثر وأنا أرى هؤلاء الآباء الصامدين المثابرين.

لقد أثر في كثيراً استقبال الناس وكثافة حضورهم، حقيقة لم أتوقع كل هذه الحفاوة، تخيلت نفسي وكأني وسط منصة الدوار والجميع يحيط بي وأرى صمود الناس في بأسهم وفي أعينهم رغم الآلام، إن شعبا لا ينكسر مثل هذا لا شك سينتصر.


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus