«التوزيع المتّزن» في البعثات الدراسية: لماذا يدرس الشيعة «على نفقة الدولة»؟

2015-07-26 - 9:37 م

مرآة البحرين (خاص): أحد أعضاء البرلمان البحريني (سنّي)، كشف بصراحة ما يخجل النظام من الاعتراف به "ما قامت به وزارة التربية في توزيع البعثات هو إعادة للتوازن الحقيقي لشعب البحرين! بحيث لا يتجاوز طرف على آخر، ويخرج عن حد المعقول".

تماما كما روّجت الدولة إلى "التوزيع المتّزن" للدوائر الانتخابية، بين الشيعة والسنّة، تروّج الآن إلى التوزيع المتّزن، حتى في البعثات!

"التوزيع المتّزن" للدوائر الانتخابية الموزعة ديمغرافيا بشكل طائفي، عرّفته الدولة في 2014 بأن يكون للدوائر الشيعية 16 ممثّلا في البرلمان، وللدوائر السنّية 24، ولأن المعارضة قاطعت، لم يصل سوى 13 نائبا شيعيا إلى البرلمان. مع ذلك كانت النتيجة مرضية، هذه هي صورة ومعادلة "الاتّزان" التي تريد أن تظهر بها الدّولة!

في البعثات، يجب أن يكون هناك اتّزان أيضا! الاتّزان هنا ليس بالطبع أن يكون المعيار هو معدّل التخرّج، ولا امتحان قدرات. الاتّزان، بحسب تعريف النظام البحريني، ليس أيضا محاصصة في البعثات بين الطلّاب بحسب طائفتهم، لا بالطبع. الاتّزان هنا، هو أن يكون عدد الطلاب الشيعة المبتعثين هو الأقل، والأقل، والأقل. تماما مثل حظوظهم في أي شيء آخر: الوزراء، النوّاب، الموظّفون، التجارة، وحتّى المساجد.

لماذا يحصل الشيعة على أكثر المقاعد في البعثات، حتى لو كانوا غالبية في البلاد؟ وحتى لو كان متفوقوهم غالبية ساحقة أيضا؟ بل لماذا يدرسون أصلا "على نفقة الدولة"، وهم يعملون ضدّها، ويثورون عليها؟! هذا ما قاله تقرير البندر فعلا، وهذا ما يكرّس أحمد بن عطيّة الله كل وقته من أجله.

كما قاطعت المعارضة الانتخابات، تريد وزارة التربية أن يقاطع الطلّاب الشيعة البعثات، والجامعات. تريد أن تقتلهم بالإحباط: بمنحهم الرغبات السادسة والعاشرة والأخيرة، وإذا استدعى الأمر، وكانت كل الرغبات التي وضعها الطالب جيّدة مثلا، أو لم يملأ كل الخيارات الإثنتي عشرة، تكون النتيجة منحة فقط!

البعثات: الطريق للاستيلاء على الدولة

هذا أيضا ما كان يردده على مدار عامين، أحد أعتى أبواق الكراهية والتحريض الطائفي، في الإعلام الرسمي، الكاتب هشام الزيّاني: "عويل البعثات يظهر بشكل فاضح وواضح ومكشوف أن البعثات هي الطريق للاستيلاء الناعم من الداخل على الدولة... خراب البعثات لمدة 35 عاماً"

يؤكّد الزيّاني أن البعثات يجب أن تعطى لمن يستحقّها فقط لا لمن يثور ضد الدّولة "اليوم إن لم تنتفض الدولة بكل مؤسساتها لتصحيح الوضع وإعطاء البعثات لمن يستحقها بالقانون، فإن مستقبل البحرين لن يتغير كثيراً عن لحظة العصيان المدني في 2011، أنتم من تضيعون مستقبل الوطن بأيديكم، أنتم من تجعلون البحرين لقمة سائغة لمن أراد الانقلاب عن طريق البعثات وتضييع البعثات، وإعطاؤها لمن لا يستحق، ولمن يخرج في مظاهرات ضد وطنه بالخارج وهو مبتعث من الدولة، والمستحقات تصله أولاً بأول، بصراحة هذه مسخرة..!"

يقول الزياني علنا، إن توزيع البعثات الذي يقصي هؤلاء هو رسم لسياسة المستقبل "الدولة التي لا تصحح الأخطاء، ولا تعيد النظر، ولا ترسم سياسات للمستقبل، هي دولة إلى الضياع، لا مجاملات اليوم، هذه هي الحقيقة، إن لم تستفيقوا سيكون الانقلاب القادم هو الانقلاب الأخير".

إعادة هندسة البلاد

في 2011 بدأت خطة "إعادة هندسة البلاد". استهلّت بموجة الفصل عن الأعمال، التي طالت أكثر من 4500 مواطن أغلبهم من البحرينيين الشيعة. ولم تتوقف عند فصل مئات الطلاب الجامعيين، على خلفية لجان تحقيق سياسية وطائفية، بل ذهبت بعيدا إلى رسم مستقبل آخر مصطنع للبلاد، تكون فيه الغالبية الشيعية معزولة تماما، مضطهدة، متخلّفة، وبعيدة ليس فقط عن مراكز القرار والتأثير (كما كانت طوال تاريخ حكم آل خليفة)، بل أيضا ضعيفة التواجد الطبيعي حتى في أجهزة الدولة ومؤسساتها، وحتى في القطاع الخاص.

الخطة باختصار، لا يجب أن يكون هناك أغلبية من الأطباء الشيعة، ولا أغلبية من المدرّسين الشيعة، ولا أغلبية من شيعة في أي مكان، يجب أن يكونوا أقلية إلى آخر حد، في كل مكان، وعلى الدوام.

يجب أن تضعف تجارتهم، وتضعف مداخيلهم، وأن لا يكون لهم أي نوع من (التمركز).

حسابات دقيقة جدا، تحتاج الدولة لتنفيذها إلى حملة "تطهير" استراتيجية، لا مرحلية فقط. هكذا بدأ تنفيذ سياسة متشدّدة جدا في التوظيف، جعلت من حصول الشيعة على وظيفة في أي قطاع حكومي، حلما. ومن ثم ذهبت إلى سياسة جديدة في التعامل مع الشركات الخاصة التي يمتلكها شيعة: صارت المناقصات، وعقود العمل، حلما أيضا.

ثم بدأ، تدوير الموظفين، منع ترقياتهم، الاستيلاء القسري الفاضح على إدارات النقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، كجمعية الأطباء، وجمعية المحامين، والعديد من الجمعيات الأخرى. إعادة هيكلتها جميعا، وفرض لون واحد عليها.

وصلت الأمور إلى محاولة الاستيلاء على الصحيفة الوحيدة التي يديرها رئيس تحرير شيعي، لكنها لم تفلح.

استراتيجية 2011: رؤية تقرير البندر 2030

استراتيجيا أيضا، اهتمّت الوزارة كثيرا بموضوع التعليم. حين قرّرت فجأة تحويل إدارة معهد البحرين للتدريب إلى وزارة التربية وليس وزارة العمل، لم يكن همّها بالطبع أن تسيطر على إدارته فقط، بل أيضا على مخرجاته، وبرامجه، وأدائه. هي تعرف أن الغالبية العظمى من طلابه هم بحرينيون شيعة، ولا تريد أن يتخرّج منهم هذا العدد الهائل من المهنيين سنويا. كانت تلك سابقة فجّة، وفاضحة. اليوم معهد البحرين للتدريب خسر كل تاريخه وكل إنجازاته، وبات مكانا غير مرغوب به لأي طالب نبيه، حتى لو كان معدّل تخرّجه 60%.

استراتيجيا أيضا، وللسبب ذاته، ضمّت السلطات كلية العلوم الصحّية إلى وزارة التربية،أعادت هيكلتها لتكون واحدة من كليات جامعة البحرين، التي يرأس مجلس أمنائها وزير التربية.

لن يكون هناك فقط تقليص لعدد الأساتذة والإداريين الشيعة في كلية العلوم الصحية، ومعهد البحرين للتدريب، بل سيكون هناك إحكام كامل على معهد التدريب المهني الوحيد في البلاد، والجامعة الوحيدة التي تخرّج ممرضين وفنيين صحيين، وبالتالي تحكّم مطلق بمخرجات هاتين المؤسستين: يجب أن لا يخرّجا هذا العدد من الشيعة كل عام، هذا هو الهدف الأهم.

كلية البوليتكنك، مشت على الدرب ذاته. وبعد أن كانت أفضل مشاريع ولي العهد التعليمية، انسلّت من تحت لوائه، وصارت في يد وزارة التربية. أعيد هيكلة الطاقم الأجنبي الذي كان يديرها، وبدأ شكل الطلبة يتغيّر، وكذلك عددهم بالطبع.

وزارة التربية، وتحقيقا لرؤية تقرير البندر، التي استفاضت في الحديث عن الجانب التعليمي لدى الشيعة، وكيف يمكن مواجهته، قرّرت، بشكل غير معلن، منذ العام 2011 بالطبع، أن توقف إصدار تراخيص لإنشاء مؤسسات تعليمية لأي مواطن شيعي: لا معاهد، لا مدارس، لا روضات، ولا أي شيء.

تحويل الشيعة في البحرين إلى هنود حمر

ما يجري، يتخطّى جانب التمييز ضد الشيعة. هو في الواقع صورة فاقعة من صور الإبادة. هو تحويل للشيعة إلى "هنود حمر"، سكّان أصليين، لا يملكون في هذه البلاد سوى الهويّة، وهي الأخرى تنتزع منهم بمراسيم وأحكام وقرارات من كل من هبّ ودبّ!

الحرمان من البعثات لدراسات التعليم العالي (وبالتالي الحرمان من التعليم العالي لعدد كبير من الطلاب) تبدو ربما التخطيط الأخطر، ضمن هذه الاستراتيجيا، لكنّها ليست سوى جزء من مؤامرة، واضحة الأركان. هي حرب استنزاف، تحاول أن تهد أساسات المجتمع الشيعي في البحرين، وتفكّكه، كمن يواجه عدوّا.

حتى لو كانت نتيجة هذه المؤامرة زيادة نسبة البطالة إلى مستويات درامية، فأن تزيد نسبة البطالة، من وجهة نظر النظام، أهون بكثير من أن يزيد عدد الجامعيين، والمهنيين، والأكفاء، من المواطنين الشيعة. لن تكون البطالة مثيرة للقلق، ما دام العاطلون مجرد أشخاص غير أكفاء لأي عمل: لا فنيا ولا مهنيا ولا أكاديميا.

على نفقة الدولة

منذ العام 2010، بدأت تتضح رؤية النظام نحو المواطنين الشيعة في البحرين. كان يبدو أنها تغيّرت بعد العام 2000، لكنّها في الواقع ازدادت خطورة. عند اعتقال مجموعات من المواطنين والناشطين في 2010، بثت وسائل الإعلام الرسمية صورهم، ومعلومات شخصية عن كل واحد منهم أهمّها ماذا حصل "على نفقة الدولة": بعثة، عمل، أو أي شيء آخر.

لازمة "على نفقة الدولة" صارت مثار تندّر واستغراب. اليوم تحديدا، عرفنا لماذا كانت الدولة، تدندن بنفقاتها: لقد جاء اليوم الذي تتوقف فيه عن هؤلاء!

يوم الخميس الماضي، توافد الطلاب لوزارة التربية من أجل تثبيت بعثاتهم. كان مثل هذا اليوم، لمن يعرفه، يوما سعيدا جدا. يوما تلتقي به زملاءك وأصدقاءك، تحتفلون وتفرحون. الخميس، كان يوما، امتلأت فيه وجوه الطلاب وآبائهم بالتجهّم. الوزارة كثّفت من وجود الأمن، ربّما خافت من موجة غضب. كان مشهد إذلال مهين وتعيس، سيظل النظام يحتفظ بعاره، في ذاكرة أبنائنا.

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus