الرادود جعفر سهوان «كله جرحٌ.. كله لطمٌ»... قصة زائر دائم في السجون البحرينية

2014-10-31 - 5:32 م

مرآة البحرين (خاص): بدأ جعفر سهوان مسيرته في الموكب العزائي بشكل مبكر جداً. كان أخوه علي سهوان رادودا حسينيا في السبعينيات، وكذلك كان أبوه أيضاً خطيبا حسينيا عرف بالصوت الحزين أثناء قرأته للأبيات الحسينية فوق المنبر، وإلحاقه المجالس الحسينية بلطمية داعياً المستمعين للمشاركة في اللطم. طفلاً، بدأ، وتبعه في وقت لاحق أخواه حسين ومهدي في المجال نفسه. وقد لاقى «الثلاثي السهواني» ألواناً من التعذيب والتنكيل والاستهداف من قبل السلطة بسبب مشاركاتهم في المواكب الحسينية التي كثيراً ما ضمّنوها إسقاطات سياسية تتطرق إلى الشأن العام.

شق جعفر سهوان طريقه عبر المشاركات الرسمية في مأتم بن خميس نهاية السبعينيات. وقد لفتت مشاركاته المهتمين بحركة العزاء الحسيني، حيث أنه بدأ يطرح الجديد من القصائد المكتوبة والمؤثرة بألحان عراقية تارة وألحان بحرانية تارة أخرى. كان لقصيدة «سورة التوحيد تحرير العقول .. ثورة إنسانية فجرها الرسول»، وهو مستهل يعود للرادود العراقي المرحوم حمزة الصغير، وقعاً كبيراً. لشغف الرادود سهوان بالعزاء العراقي فقد استعار هذا المستهل ولكنه غير الأبيات لتكون قصيدة أخرى تناولت العديد من القضايا السياسية، خصوصاً الثورة الإيرانية التي كان ممنوعاً تناولها آنئذ. أحدثت هذه القصيدة تلقيات عريضة، حيث لم يكن هذا الطرح وبهذا المستوى معروفا من قبل، خاصة مع تفعيل السلطات قانون أمن الدولة. يرجع رواديد مختصون في الموكب الحسيني لهذه القصيدة الفضل في طرح منحى جديد في القصائد العزائية لم تكن شائعة من قبل.

تبعت تلك المشاركة قصائد أخرى عرفت بشكل أوسع وانتشرت في جميع أنحاء البحرين، فضلاً عن الخارج؛ حد إذاعتها في راديو طهران، من مثل قصيدة «شتتوا شمل الحسين» و «قرب الأمر وانشق وجه القمر .. يا طغاة الزمان أين أين المفر» وهما تحكيان عن الظلم والظالمين وعن كل ما وقع على المستضعفين في الأرض. وكانت هذه القصائد السبب في اعتقاله في خلال مرحلة الثمانينات.

في نوفمبر/ تشرين الثاني 1981 داهمت المخابرات البحرينية التي كان يديرها المعذيب البريطاني إيان هندروسن، منزله وزجت به في سجن «التحقيقات الجنائية» الذي كان تحت إدارة المعذب عبدالرحمن بن صقر آل خليفة، وكان يستضيف آنئذ، وغيره من السجون، معتقلين آخرين، من الإسلاميين المتأثرين بالثورة الإيرانية، وكذلك من اليسار. لقي سهوان ألواناً مختلفة من التعذيب، كالإيقاف على الرجلين لمدة أسبوع كامل من غير ترك فرصة له للنوم أو الجلوس، وهو إسلوب معروف ينتهي بالسجين إلى حالة الهذيان. ظل مقيدا من يديه من الخلف بالقيد الحديدي طيلة شهرين كاملين، فيما يقوم السجانون بنقل القيد إلى الأمام فقط في أوقات الأكل. استخدم معه التعذيب المعروف بـ«الفلقة»، وترك كذلك لساعات طويلة مع فترات يتخللها الضرب الوحشي على رجليه بالعصيّ. كان ورفاقه يتبولون داخل الزنازين في إناء لعدم السماح لهم بارتياد دورات المياه إلا في فترات متباعدة.

لا يمكن لأي سجين في الثمنانينيات أن ينسى هذا اللون من العذاب. كان لجعفر نصيب منه وكذلك إخوته. أصيب جعفر بمرض الجرب وهو مرض جلدي مزعج جدا يشيع في السجون، وبسببه فقد أصيب إخوته أيضاً؛ حيث اعتقل هم الآخرون أيضاً وزجوا معه في السجن.

لم تؤثر فيه هذه التجربة، وواصل شق طريقه في المواكب العزائية. عاد بقصائد عزائية جديدة، ومرة أخرى تناول فيها الشأن السياسي العام، إضافة إلى المرثيات الأخرى الحزينة. لم تمر إلا أشهر قلائل حتى أعيد اعتقاله من قبل المخابرات مرة أخرى في ديسمبر/ كانون الأول 1982. تولى المعذبان المعروفان خالد المعاودة وعادل فليفل التحقيق معه، ومثل المرة السابقة فقد صحب التحقيق ألواناً من العذاب البدني والنفسي. اتهم بالانتماء إلى خلية تابعة إلى «جبهة البحرين الإسلامية لتحرير البحرين»، وهي التهمة الجاهزة التي كان يتهم بها المعتقلون السياسيون ساعتئذ. أعيد معه هذه المرة أيضاً إسلوب التعذيب بالإيقاف لأيام طوال، والتعذيب بـ«الفيلقة»، مصحوباً ذلك بالضرب على جميع أجزاء جسمه وخصوصا أذنيه. كما أنه تم تعليقه من يديه بالقيد الحديدي دون أن تمس رجله الأرض، وقد استمر التعذيب هذه المرة عدة أيام بغية انتزاع الاعترافات، كائنة ما كانت؛ حتى لو كانت كذبلا زلالا.

قضى سهوان خمس سنوات في التوقيف التعسفي، ومن دون محاكمة؛ ليخرج بعدها من جديد في العام 1987 معانقاً هواء الحرية. ومن جديد أيضاً، كان الموكب الحسيني، هو المكان الأوّل الذي يستأنف منه حركته.
لهذا فإن السلطات لم تتوقف عن ملاحقته، وكان يتعرض للاستدعاء والتحقيق والإيقاف لأيام مرة بعد مرة، كما صودر جواز سفره الذي لم يتسلمه إلا في العام 1990.

في العام 1994 قرر السفر إلى الإمارات العربية المتحدة قاصداً العمل، إلا أنه حتى هنا لم يستطع الفكاك من قبضة أجهزة المخابرات؛ وما هي إلا فترة بسيطة حتى وجهت له تهمة «الانتماء لحزب الله البحرين»، واعتباره مسئولاً عن «مكتب حزب الله في الإمارات والمنسق مع المقيمين في الخارج من أبناء البحرين».

وقد اعتقل بداية في الإمارات العربية المتحدة ولاقى أنواعا من التعذيب هناك، قبل أن يتم تسليمه إلى السلطات البحرينية؛ ليتلقى وجبة جديدة من التعذيب لانتزاع الاعترافات. كان المعذب عادل فليفل مرة أخرى في وجهه، وهو من أشرف على عملية تعذيبه؛ حيث ظل وراء القضبان إلى أن حانت ساعة الإفراج عنه في العام 2001 في خلال فترة الإنفراج الأمني. ومرة أخرى، كان الموكب الحسيني المكان الذي يحتضن عودته. من أشهر قصائده الرثائية التي ذاع صيتها "كلنا جرح .. كلنا لطم .. واحسيناه .. واحسيناه» التي ألقاها في موكب عزاء حسينية بن خميس ليلة العاشر من محرم.

يمتلك سهوان موهبة صوتية تزاوج بين النبر الشجي الذي سرعان ما يستدرّ بكاء المعزّين وكذلك النبر الثوري المتسم بالحماسة، ويعد من أوائل الرواديد الحسينيين الذين أدخلوا الطرح السياسي إلى القصائد الحسينية. كانت لها مشاركات كثيرة خارج البحرين، في الإمارات والكويت والمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية.


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus