تعدد الأوزان في اللطمية البحرانية

2014-10-31 - 5:40 م

مرآة البحرين (خاص):

البحرين -حسين فخر
مرّت لطميات المواكب الحسينية بمجموعة من التغييرات في بنيتها الإيقاعية، سواءً تلك المتعلقة بتعدد الأوزان -نعني به مجموع تفعيلات من بحور مختلفة على تراتبية محددة- أو تلك المتعلقة بتلحين النصوص التي لم تعتد المواكب الحسينية طرقها، ونكتفي هنا بالإشارة لنصوص الشعر الحر.

لا يكاد يخلو حديث عن تعدد الألحان من خلط بين تعدد الألحان وتعدد الأوزان، وينبغي الإشارة لأهمية التفريق بينهما، إذ أن التعدد على المستوى العَروضي يفضي حتماً إلى تعدد الألحان، والعكس غير صحيح، وإذا اعتبرنا بأنَّ قرار وجواب كل مقام لحناً منفصلاً، سيفضي ذلك للجزم بأنه ما من لطمية بدأت أحادية وتطوّرت؛ بل تطوّرت من ثنائية قرار وجواب المقام أو المراوحة بينهما، وهو ما يتطلبه أي فن من فنون الإنشاد.

السمة الفارقة بين اللطمية البحرانية الحالية -في سوادها الأعظم- وسائر اللطميات هو تعدد أوزان الفقرة الواحدة. وحتى نتبينَ هذا الموضع جيداً لا بد من مقارنتها ونموذج آخر، ولعلَّ اللطمية العراقية هي النموذج الأنسب للمقارنة؛ على اعتبار أنهما نشأتا في مناخ متقارب، وكان لها أثرها البالغ في اللطمية البحرانية، قبل أن تتفرد الثانية ببنيتها الخاصة.

يظن البعض بأن اللطمية العراقية بقت تراوح مكانها خلال القرن الماضي، وهو ما لا يصمد عند الرجوع لإرشيف صوتيات تلك الحقبة ومقارنتها بالـ"إصدارات" الحالية تحديداً. فلو أخذنا تجربة الجيل الذهبي وعلى رأسهم الأستاذ ملا حمزة صغير لوجدناها تشتغل بتقنية "الدور" يبدأ بالاستهلال "المذهب"، ثم يدخل في "أغصانه" على شكل فقرات، قبل أن يعاود الرادود أواسط الدور. وهي ذات التقنية التي اشتغلت بها اللطمية البحرانية بداية القرن، نتيجة المشتركات الثقافية بين المنطقتين ونظام "إعارة" الرادود. ذات التقنية يمكن التقاطها في اللطمية العراقية الحديثة غير أنها تجاوزته إلى تقنيات موسيقية أعلى؛ بل يمكن القول إلى أن نظام "الكسرة" تم تطويره وتطويله ليشكل لحناً مضافاً للفقرة، لكن ليس على الطريقة البحرانية. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن تقنية الدور كان الرواديد الأوائل يمايزون بين "طورها" العراقي والبحراني، يمكن الرجوع إلى لطمية حمزة الصغير "يابن أمي عالتربان" بطورها البحراني.

متى بدأ التعدد في الأوزان؟

يمكن العودة ببداية تعدد الأوزان في البحرين إلى مطلع التسعينات، وتنبغي الإحالة هنا إلى ثلاث لطميات شكلت أضلاع هذا المثلث، وهي على النحو التالي: ياليالٍ طال حزني، مهدي سهوان 1992م/ جرحنا بالثأر تكلم، حسين الأكرف 1992م- علويون مع الزمانِ، تلحين حسين الأكرف، أداء مهدي سهوان والأكرف 1993م.

بالرجوع للطميات الثلاث يمكن أن نخلص إلى القول بأن دخول الوزن الثاني لم يكن عفوياً أو تطوراً عن "الكسرة"، ولعل لطمية "جرحنا بالثأر تكلم" كانت اللبنة الأساس من حيث وجود وزنين ولحنين منفصلين وسرعتين متفاوتتين في اللطم، وبشكل فاقع، وهو ما يمكن أن نعتمده كلطمية مؤسِسِة. تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التطور في بنية اللطمية لقي قبولاً شديداً فترتها، ولم يربك الإيقاعُ الجديد المعزي إلا بمقدار دهشة الجِدّة، بدليل أنه لم تبلغ سنة 1994م حتى صار رائجاً وأمراً طبيعياً.

ظروفه، أثره:
لا يمكن القول بأن تعدد الأوزان جاء تلبيةً لطموح حنجرة الرادود واستعراض إمكاناتها فحسب، إذا عرفنا بأن نظام الموكب في البحرين يختلف جداً عنه في العراق. العزاء في البحرين يعتمد الموكب الخارجي مركزاً، بينما اللطم داخل المأتم يعتبره بشكل ما هامشياً "تسخين"، على النقيض من ذلك في العزاء العراقي. قيادة الرادود لموكب عزاء خارجي تتطلب قدرة جبارة تمكنه من ضبط وإمساك المعزي من خلال سمعه فقط، لمدد زمنية تتراوح بين الساعتين وتمتد إلى خمس ساعات هذا أولاً. ثانياً على مستوى الأداء المتواصل لمدد طويلة يصاب الرادود باجترار نفسه، وينطبق ذلك على كاتب النص أيضاً، عوضاً عن إرهاق أذن المتلقي/المعزي وسأمه. وهذا ما يبرر وجود"الوقفات" في المواكب الكبيرة، وهذا ما يبرر اندثارها بعد دخول هذا النظام من اللطميات، إذ حلت ألحان "المارش" العسكرية والمضافة للطمية محل "الوقفات"؛ بل وتؤدي دورها.

بقية المشهد:
مع أن اللطمية البحرانية صارت معروفة بتعدد أوزانها، إلا أن هناك من الرواديد والقرى بل والمآتم التي لم تنشغل بمثل هذا التجريب، أقول "تجريب" لأن اللطمية الحالية ليست الصورة النهائية المثلى. يمكن أن نذكر منهم كرواديد فاضل البلادي، وكقرى أغلب القرى الصغيرة التي لا يسمح حجم موكبها ولا مدته بمثل هذا التجريب، المآتم التي تتكئ على تكة تراثها، كمأتم زبر والقصاب، ولا يعني ذلك عدم سماحهم بدخول مثل هذا التجريب مواكبهم؛ بل لم يكن هذا التجريب ليشكل بصمة موكبهم. كما تجدر الإشارة إلى مجموعة أخرى انخرطت بتعدد الأوزان وتراجعت لأسباب أغلبها تتعلق بجودة النص والمناداة بالرجوع للتراث وعدم "تمييع" النص الحسيني.

التعدد كإضافة:
لم تكن الموشحات خارج سياق بحور الشعر العربي التي قعّد لها الفراهيدي (100هـ-170هـ) في خمسة عشر بحراً؛ قبل أن يزيد عليها تلميذه الأخفش البحر المتدارك/المحدَث؛ بل كانت استجابةً فنية لما تطلبته الموسيقى في الفترة الأندلسية (القرن الثالث الهجري) من جهة، وما يُعزى إلى تداخل الثقافة العربية والاسبانية من جهة أخرى. ما ميّز نظام الموشحات تفلُّتها من سطوة القافية وانحيازها للغنائية؛ مما اضطرها لاستعمال اللغة المحكية. يقول د.صلاح فضل في كتابه طراز التوشيح: ‪"‬الموشحات برأي بعض علماء العربية طورت في وزن الشعر العربي ونظام القافية، واعتبروها ثورة عروضية تجديدية كسرت عمود القصيدة التقليدية وابتكرت نظاماً منضداً جديداً في الشعر‪"‬.

فهي شكل من أشكال الشعر، استناداً إلى نظامها المنفصل عن تراتبية الصدر والعجز. بالرجوع للطميات منذ منتصف التسعينات يمكننا أن نجد ملامح واضحةً لمثل هذه الثورات العروضية. لم يُوف النص الحسيني -اللطميات- حقه في الوقوف عنده، مع ما يحمله من هذه الملامح، والتي تجاوزها إلى ابتكار نضد شعري يصل في بعض مراحله إلى استعمال مجموعة كبيرة من البحور الشعرية، وتكوينات عروضية جديدة لم تطرقها الموشحات شعراً ونبراً.

شفاهية النص:
كثير من النصوص الشعرية تكتسب سلطتها من خلال حجم التلقي، في حين أنها كنص لا تصمد أمام محكمة الإبداع. لعله من الغريب عدم الالتفات شعرياً للنص الحسيني المرتبط باللطميات، مع وجود كافة المؤهلات التي تستدعي التوقف لتفحصه، فهو من جانب استطاع أن يبتكر نظاماً إيقاعياً خاصاً به، واستطاع أن يكون نصاً حاضراً لدى مريدي الرادود، ويصل متلقوه في بعض الأحيان لأكثر من مائة ألف، ولعلَّ عشرهم هي أقصى حلم يمكن لشاعر فاره أن يحلم به. بل يمكن الجزم إلى أن بعض النصوص يتجاوز حفظتها حاجز المليون.
تتفتت هذه الغرابة لدى إدراكنا بأن النص الحسيني حتى الآن لم يتجاوز الشفاهية، وهي ما لا يمكن التأسيس عليه. سوى من بعض المواقع الالكترونية التي تعمل بشكل تطوعي لا يخلو من شوائب التدوين، ولعلَّ أغلبها يعمل مدفوعاً بهاجس "اللطمية" لا النص، ويمكن وصفها بالمتواضعة إذا عرفنا بأن حجم التحبير للمواكب الحسينية في البحرين في مناسبة واحدة فقط يمكن أن يكون مئات النصوص والألحان.


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus