الخطأ الاستراتيجي: نظام يُعفي الأكثرية الشعبية من الالتزام بمقتضى شرعيته

عباس بوصفوان - 2011-08-01 - 9:32 ص

 



عباس بوصفوان* 


في 2002 حين رفضت الحركة الوطنية بمختلف تلاوينها الدستور الجديد؛ ظن كثيرون داخل السلطة وخارجها أن بالإمكان فرض الوثيقة الدستورية المختلف بشأنها بالقوة الأمنية والسياسية والضغط الإقليمي والدولي. 


سرى هذا الشعور حتى بين صفوف المعارضة ربما، وقد يكون بلغ ذورته حينما شاركت جمعيتا الوفاق ووعد المعارضتان في الانتخابات النيابية  في 2006. 
وفي الواقع؛ وقد كنت من الداعين للمشاركة  في 2002؛ فإن قراءتي للحدث الدستوري كانت ومازالت تدرك أن النص الدستوري لا يتحول واقعا إلا إذا واكبه قوة تسنده على الأرض، أهم معالمها رضا شعبي.  


في 14 فبراير 2002، كانت موازين القوى ـ كما أرى ـ في غير صالح الشعب الذي خرج توا من صراع سياسي مرير، امتد 30 سنة؛ استنزفه  وأرهقه؛ خصوصا في العام 1995 وما بعده، حيث تأزم الوضع السياسي والأمني مع انطلاق انتفاضة شعبية عارمة، طالبت بإعادة العمل بدستور 1973. 
وإذ الشعب مرهق، نسبيا، فإن الدولة تحتفل بقدوم ملك جديد تعهد بأن تكون أجمل الأيام تلك التي لم نعشها بعد. ورأى الناس والقوى الوطنية ليس خطأ منحه فرصة إضافية، بعد ضربة الدستور غير المتوقعة، فشاركت في انتخابات 2006. وتبين لها، ليس عقم النظام البرلماني الذي كان بيناً؛ وإنما استكشفت العقم في موقع اخر. 


كل ذلك لم يغير من جوهر الإشكالية، بل أكدها: الدستور غير مقبول شعبيا ولا يمكنه تطوير الحياة السياسية. وإن لم تستطع المعارضة الوطنية الإطاحته به بالضربة القاضية؛ فإنها ستطيح به من خلال احتساب النقاط، كما في جولات الملاكمة.  


بعد عشر سنوات من العمل الفعلي به؛ وبعد تجربتين برلمانيتين، والثالثة لم تكتمل، سقط دستور 2002 سقوطا مدويا؛ وسقطت معه تجربة سنوات عشر من محاولات دعائية بوجود مشروع سياسي للإصلاح، وقد تكون سقطت معه تسوية 2001 الميثاقية التاريخية(1). 

وإذ يقال للسلطات الحاكمة في المنامة الآن، وبعد نحو أربعة أشهر من احتجاجات حاشدة وغير مسبوقة في تاريخ البحرين، يقال لها: إن التسوية التي يراد فرضها عبر حوار هو أشبه بمونولوج - كما قال وزير الخارجية السويدي - لا تستقيم، مادام الشعب ليس طرفا فيها؛ فإن ذلك يستند إلى معطى تاريخي.. ومنطقي أيضا. والسقوط الحتمي للتسوية التي تروج لها السلطة حاليا قد يعني سقوط أمور سياسية أخرى معها، طالما اعتبرت بديهيات. 


لنتذكر مثلا، أن أحدا لم يكن يجادل في أحقية عائلة آل خليفة في الحكم، حتى أسقط النظام دستور 1973 رسميا؛ في 14 فبراير 2002؛ مع إصدار الملك حمد دستورا جديدا من طرف واحد، ضاربا كل الأعراف والتفاهمات التاريخية بين عائلة آل خليفة والشعب، وكذا بينه (الملك) شخصيا وبين الحركة الوطنية التي حين وقعت إيجابيا على الميثاق، فإنها قدمت في الجوهر دعما هائلا لمشروع الأمير حمد حينها، وعبرت عن ثقتها المطلقة (هكذا تماما) في وعوده، المعلنة وغير المعلنة، قبل أن تقدمها إلى نص الميثاق، الحمّال للأوجه. 


وقد دفعت الحركة الوطنية ثمنا كبيرا بسبب ذلك على أية حال، كما دفع الملك حمد ثمنا مضاعفا، كما رأينا في السنوات الأخيرة، خصوصا بعد تفجر حركة 14 فبراير. 


ويتضح بجلاء الآن، أن الشيخ حمد لم يكن يرمي من وراء صيغة المجلسين، تأمين توازنات تضمن استمرارية التجربة الديمقراطية؛ كما يدعي؛ وإنما أراد بذلك فرض نموذج احتكاري للسلطة بملمس ليبرالي. وهذا بالضبط ما تسميه بعض الأدبيات المعاصرة الليبراليات الديكتاتورية.
لقد سقطت مقولات الملك حمد بأنه لا يرغب في حل المجلسين أبدا؛ ذلك إن حلهما خطأ طبعا؛ بيد أن وجودهما من دون معنى تشريعي لا يعني قيمة لعدم الحل.  


على أن ما أراد الملك تفاديه بعدم حل المجلسين، كي لا تتكرر الأزمة السياسية التي وقعت في 1975، كما يقول جلالته دائما، حدثت في الواقع قبل بدأ عمل  المجلسين؛ وها هي تتفاقم على نحو غير مسبوق، بسبب سياسات أكثر راديكالية وتعسفا تجاه المجتمع السياسي والمدني، وعلى نطاق واسع، أدعي أن التاريخ الحديث لم يشهد مثلها، أفرزت بالمناسبة، وكردة فعل على ذلك، حركة احتجاجية غير مسبوقة. 
لذا، فإن المعارضات الوطنية مجروحة مرات من الملك الحالي. مرة لأنه أخل بوعده معها في مسألة الميثاق والدستور، ومرة لأنه احتكر الفضاء العام، وأخرى لأنه مضى في عمليات تجنيس غير شفافية وغير مسبوقة لكنها مفضوحة كونها تمشي على رجلين، ورابعة لأن الملك تبني برنامجا (بندريا) لجعل دوائر الدولة "طاهرة" و"نظيفة" من أي وجود شيعي؛ كالصورة التي يرسمها لما يسميه مملكته المثالية: قوة دفاع البحرين (2). 

على أن الملك قد يكون دفق ما تبقى من ماء وجهه، حين ضرب الجيش الناس في 17 فبراير، بأوامر مباشرة منه، على ما يبدو، وهو الذي زار، قبل وبعد المشهد الدموي في دوار اللؤلؤة، مقر القيادة العسكرية للجيش، ولم يتخذ إجراءات تردعه على الأقل. 
وتقديري، فإن ما تم من فضاعات بعد 16 مارس (الاقتحام الثاني للدوار)، على فداحته، وكونه غير مسبوق، فإنه لم يكن سوى تأكيد على أن الأفق الرسمي يؤمن بالحل الأمني، ولا يؤمن بالتعايش، فضلا عن الشراكة. 


وأعود فأقول، إن أمرا مهما يجدر التنبه له، أنه بينما كان الرأي العام يطالب بين أغسطس 1975 وفبراير 2011 بدستور 1973؛ فإن المطالبات اتخذت منحى آخر بعد حركة 14 فبراير الأخيرة.
وليس من المبالغة القول إن هذا المنحى قد يتصاعد؛ وعلى الأقل يصعب تصور اتخاذه منحنٍ تنازليا، والنظام ماض بعيدا في مشروعه الإقصائي؛ ويتنكر حتى لمواطنية قطاعات واسعة من الشعب.
وفي الواقع، فإن الحركة الاحتجاجية الشعبية لم تصل ذروتها بعد، ولعل أمامها مزيدا من المحطات المؤلمة بالنظر الى العدة العسكرية التي يخطط لاستخدامها النظام في الفترة المقبلة.


أشير هنا، إلى أن دستور دولة الكويت (1962)، وفّر حماية كبرى لعائلة الصباح إبان الغزو العراقي للكويت، وفي كل مراحل التاريخ الحديث، وحتى راهنا حيث ثورات الربيع العربي تطالب بتنفيذ جدي لشعار الشعب مصدر السلطات. 
وإذ ترتفع أصوات كويتية مطالبة بمملكة دستورية، تزيح عائلة الصباح من المشهد السياسي، فإن أصوات المعارضة الرئيسية تتمسك بدستور 1962 الذي يعطي صلاحيات واسعة لرأس الدولة، تماما كما كان يفعل دستور 1973 البحريني. 


على أن هذا الدستور البحريني غير موجود حاليا، بفضل الملك حمد الذي اختار بنفسه أن يرفع عن الدستور الشرعية الشعبية، التي تبحث عنها كل الأنظمة، واختار بدلا من ذلك الارتهان إلى موازين القوى. وهذه الموازين عرضة للتبدل بالضرورة، من دون أن أنسى الإشارة الى المقولة التي تعتبرها عائلة آل خليفة خالدة، وهو أن الدخول لجزر أوال تم بالسيف، ولم تستقبل العائلة بالورورد، وبنظرها فإن تلك النظرية مازالت سارية المفعول. 
الخطأ الاستراتيجي الأكثر فداحة الذي يرتكبه الملك حمد حاليا، في حق عائلته وحق البحرين، هو تفويته فرصة استثنائية، لإصدار دستور متوافق عليه، يؤمّن للعائلة وضعا مشرفا، وللشعب قرارا سياديا.


وحقيقة، فإنه لا يمكن الجزم، بأن تكون موازين القوى في صالح عائلة آل خليفة على الدوام، بينما يؤمّن الدستور التوافقي حياة سياسية معلومة المدخلات والمخرجات، عموما. 
وإذا يختار النظام الاعتماد على القوة العسكرية والدعم الاقليمي، فإنه يعفي الأكثرية الشعبية من أي التزامات تجاهه أيضا. إنه بذلك يمعن مجددا في الخطأ، وعلى من يعنيهم الأمر في العائلة الحاكمة اتخاذ ما يلزم. 


ولا أظن  أن من الخطأ التفكير فيما ما يقترحه البعض من تقديم الملك لاستقالته، إذا كان عاجزا عن خلق آليات إيجابية للحفاظ على استقرار حقيقي ودائم في الجزر الصغيرة؛ يضمن استقرار كرسيه، وكرسي من يليه، (بعد عمر طويل ومديد).  تسوية تُنجز والبحرين تعيش الأمل، وتتطلع لغد أفضل، ولا تحيط بها طيور الظلام، وتترقب حربا أهلية، كما هو الحال اليوم.

*كاتب بحريني
1. راجع، البحرين: تأميم الصحافة.. والسياسة، 21 مايو 2005
2. راجع، الشيخ حمد.. الإطاحه بعمه بديلا لتسوية تاريخية، 6 يوليو 2011.

التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus